د اسماعيل عبدالجليل يكتب:عندما يصبح الجمال مطلبا شعبيا !

تابعت على شبكه التواصل الاجتماعى وبعض وسائل الاعلام فيديو لمحافظ الاسكندريه الجديد محاطا بعدد كبير من المواطنين المرافقين له اثناء تفقده لشاطئ الاسكندريه فى بدايه مسئوليته التى استهلها بأزاله الاسوار والموانع الحاجبه لرؤيه البحر بطول الشاطئ . تابعت المشهد المثير لمواطنين بسطاء يهتفون بحياه المحافظ وهو يصدر تعليماته لموظفيه بأزاله السواتر والموانع وكأنه انتصر لهم بأمرا لم نعتاده فى حياتنا حينما يكون مطلب الجماهير هو رؤيه البحر !! وهو مطلبا معنوىا لم نعتاده فى اولويات المواطنين التى يتصدرها عاده مطالب ماديه فى المأكل والمشرب والمسكن والى أخره من ضرورات الحياه !!.
وهو مااستوقفنى فى متابعه المشهد المثير لمواطنين بسطاء تنوعت اعمارهم وملامحهم ولكنهم اتفقوا جميعا على مطلبا واحدا وهو رؤيه البحر والاستمتاع بجماله !! وهو مطلب يبدو بسيطا متواضعا ولكننى رأيته من واقع تخصصى العلمى مؤشرا عظيما لمولد ظاهره ايجابيه وهى أستعاده نعمه ربانيه مسلوبه فى حياتنا اسمها ” الجمال ” وهى النعمه التى تعرضت للتصحر والتدهور خلال سنوات طويله ساد خلالها جشع تحقيق المنافع الاقتصاديه على حساب الطبيعه التى لاتملك الصراخ او الاحتجاج على من يتحرشون بها !!.
وقبل الاسترسال فى مغزى مشهد الاسكندريه اود ايضاح المفهوم العلمى للنعم الربانيه التى يطلق علها Ecosystem Services وهى مجموعه من الخدمات والسلع التى تقدمها الطبيعه للبشر حتى تستمر الحياه ومنها سلع كالمياه ومصادر الوقود الطبيعيه وتنوع الكائنات الحيه والدورات الحيويه فى باطن الارض وكذلك الرياح الحامله للواقح النباتات حتى تتكاثر وتبقى . يصعب حصر تلك الخدمات والسلع البيئيه الربانيه فى مقال ولكن يهمنى الاشاره الى ملاحظتبن يتعلقان بسياق الموضوع اولهما ان اجمالى القيمه الاقتصاديه الافتراضيه لعائد تلك الخدمات البيئيه طبقا للدراسات العلميه يعادل تقريبا ضعف الناتج الاقتصادى الاجمالى GDP لنشاط البشر على سطح الارض حيث تقدر بحوالى 50 تريليون دولارا ! ثانيهما ان خدمات الطبيعه او البيئه تم تصنيفها الى اربع مجموعات ومنها مجموعه كامله تضم “خدمه الجمال ” !! اى ان الجمال هو احد الخدمات الربانيه المجانيه التى يقدمها النظام البيئى لسكانه الذين لم يحسنوا للأسف الحفاظ عليها بل اساءوا استخدامها مما ادى الى تدهورها تدريجيا فيما يعرف علميا بالتصحروهو اشبه بأعتلال الجسد تدريجىا عند الاصابه بمرض السرطان حتى يأتى عليه المرض فى غياب التشخيص المبكر وهو مماثل لحاله التدهور التدريجى للخدمات البيئيه ومنها الجمال حينما تتوقف الخدمه بتعاظم القبح وانتشاره !!. من هنا كانت سعادتى لصحوه الاسكندرانيه بمطالبتهم استعاده نعمه الجمال لشواطئهم التى منحها الله لهم دون مقابل كحق شرعى اصيل من حقوق الانسان ولا يصح مصادرته لصالح فئه محدوده للأنتفاع به .
هل يقتصر عائد الجمال على متعه البصر ؟ الاجابه بالنفى وهو سر ادراج الجمال ضمن العائد الاقتصادى لخدمات الطبيعه لكونه ينعكس ماديا فى السلام الاجتماعى وانخفاض العنف والجريمه والتطرف ويمكن الاستدلال على تلك العوائد بمقارنه سلوك البشر بالمناطق الريفيه الغنيه بالخضره وغيرها بالمدن الصناعيه ومقارنه ترتيب الدول على مؤشر السعاده العالمى وعلاقته بثقافه الحفاظ وتنميه نعمه الجمال. وتنميته
لكن يبقى التساؤل عن حال مناطق اخرى كثيره فى بلدنا امتد اليها القبح او تصحر الجمال فى ظاهره اوشكت ان تكون عامه والامثله عديده ومنها القرى السياحيه الممتده بطول الساحل الشمالى الغربى حتى مطروح بأرتفاعات حاجبه للرؤيه وملاصقه للبحروكذلك الحال فى شرم الشيخ التى احاطت قراها السياحيه بخليج نعمه الساحر بشكل افقده جماله الطبيعى الذى كان يمكن مضاعفته بمخطط عمرانى اكثر فهما للبعد البيئ والتنميه المستدامه وهو نفس الحال فى سيوه التى ننتهك خصوصيتها بنماذج تنتقص من جمالها الطبيعى . يطول الحديث ايضا عن تناقص مساحات الحدائق العامه والاشجار والزحف العمرانى على الارض الزراعيه وتصحر الجمال بالريف الذى تغنى بسحره الشعراء والمطربين وهو ماانعكس على ظواهر سلبيه غير مسبوقه فى سلوك واخلاقيات سكان القريه المصريه وهوماكان يمكن تداركه مبكرا بأثراء ثقافه حب الجمال !!.
اتمنى ان يرى اصحاب القرار فى بلدنا مغزى مارأيته فى مشهد جوله محافظ الاسكندريه حينما صارت المطالبه بنعمه الجمال مطلبا شعبيا او جماهيريا !!





