د علي اسماعيل يكتب : اليوم العالمي للأغذية 2025 “يداً بيد من أجل غذاء أفضل ومستقبل أفضل”
يأتي السادس عشر من أكتوبر كل عام ليُعيد إلى الذاكرة واحدة من أهم القضايا الإنسانية على الإطلاق: الغذاء كحق أساسي من حقوق الإنسان، لا يقل أهمية عن الحق في الحياة أو التعليم أو الصحة. ففي هذا اليوم، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للأغذية، وهو مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال الشكلي لتكون صرخة وضميرًا حيًا للبشرية في مواجهة الجوع وسوء التغذية وعدم العدالة في توزيع الموارد.
شهدت مصر هذا العام احتفالية متميزة نظمها مركز البحوث الزراعية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بحضور معالي وزير الزراعة واستصلاح الأراضي السيد علاء فاروق، والممثل الإقليمي للفاو السيد عبدالحكيم الواعر، وقيادات وزارة الزراعة، وعدد من الشخصيات البرلمانية والعلمية والخبراء المتخصصين في مجالات الزراعة والغذاء. وقد تخللت الاحتفالية تكريم نخبة من الكفاءات الوطنية التي ساهمت بجهودها في دعم منظومة الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.
إن يوم الأغذية العالمي ليس مناسبة بروتوكولية، بل دعوة مفتوحة للتأمل والمراجعة، فبينما ينعم البعض بوفرة الغذاء، ما زال الملايين حول العالم يذهبون إلى النوم وهم جياع.
تتعدد الأسباب — من الصراعات الإقليمية إلى التغيرات المناخية والاختلالات الاقتصادية — لكن النتيجة واحدة: تزايد الفقر والجوع وتراجع العدالة الغذائية. ومن هنا تأتي أهمية هذا اليوم لتذكير العالم بأن الأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات، بل بالتكامل بين العلم والسياسات والإرادة الإنسانية.
لقد أصبحت قضية الغذاء اليوم قضية وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لأن ما يهدد مزارعًا في إفريقيا قد ينعكس على مستهلك في أوروبا، وما يصيب مناخ آسيا من اضطراب يؤثر على إنتاج الحبوب في العالم كله.
ولذلك فإن شعار هذا العام “يدًا بيد من أجل غذاء أفضل ومستقبل أفضل” ليس مجرد عنوان احتفالي، بل رؤية إنسانية جامعة تدعو العالم إلى التعاون الفعلي لبناء مستقبل خالٍ من الجوع، ومستدام في إنتاجه وعدالته وتوزيعه. يأتي الاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسيس الفاو تحت شعار “يداً بيد من أجل غذاء أفضل ومستقبل أفضل”، ليؤكد أهمية التضامن الدولي في مواجهة التحديات المتزايدة التي تهدد منظومة الغذاء العالمي.
أولاً: الهدف من اليوم العالمي للأغذية
يهدف هذا اليوم إلى رفع الوعي العام حول أهمية الغذاء كحق إنساني أساسي، وحث الدول على وضع السياسات الكفيلة بتوفير غذاء صحي وكافٍ لجميع البشر. كما يُعد مناسبة لتقييم أنظمة الزراعة والإنتاج والتوزيع ومدى كفاءتها في ضمان استدامة الموارد الطبيعية.
ويركّز الاحتفال هذا العام على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمجابهة آثار التغيرات المناخية والنزاعات وارتفاع الأسعار، وهي عوامل باتت تُهدد الأمن الغذائي في معظم الدول النامية.
ثانياً: مسيرة ثمانين عامًا من العمل العالمي
على مدى العقود الثمانية الماضية، قادت منظمة الفاو جهوداً جبارة لتحقيق الأمن الغذائي العالمي.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، أطلقت المنظمة حملات لمكافحة الجوع والمجاعات في إفريقيا وآسيا، وأسهمت في دعم برامج الثورة الخضراء التي ضاعفت الإنتاج الزراعي في العديد من الدول النامية.
وفي العقود الأخيرة، تحوّل تركيز المنظمة إلى الاستدامة والحوكمة الرشيدة للموارد الطبيعية، وإدماج التقنيات الحديثة في الزراعة مثل الزراعة الذكية مناخيًا والابتكار في نظم الري والإنتاج الحيواني والنباتي.
ثالثاً: السياسات والنتائج على المستوى العالمي
اعتمدت معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة SDGs) ) عام 2015، وكان الهدف الثاني منها هو “القضاء على الجوع بحلول عام 2030”.
وقد شهدت السنوات التالية تحسناً نسبياً في معدلات الأمن الغذائي، إلا أن جائحة كورونا، والحروب الإقليمية، والاضطرابات المناخية، أدت إلى تراجع كبير في هذا المسار.
تشير تقارير الفاو إلى أن أكثر من 700 مليون إنسان حول العالم ما زالوا يعانون من الجوع، وأن أكثر من 2.3 مليار شخص لا يحصلون على غذاء صحي متوازن.
في المقابل، تسعى بعض الدول، ومنها مصر، إلى تبني استراتيجيات وطنية متكاملة للأمن الغذائي، تشمل زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتقليل الفاقد والهدر الغذائي.
رابعاً: الفقر والجوع.. وجهان لأزمة واحدة
الفقر والجوع يمثلان معاً حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تدخلات سياسية واقتصادية عميقة.
فالفقر يحدّ من قدرة الأفراد على الحصول على غذاء كافٍ، بينما يؤدي سوء التغذية إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الفقر. وتشير الدراسات إلى أن التغيرات المناخية ستؤثر سلباً على إنتاجية الأراضي الزراعية في المناطق الجافة وشبه الجافة، وهو ما يهدد الأمن الغذائي في القارة الإفريقية بوجه خاص. ولذلك، أصبح من الضروري دعم البحوث الزراعية التطبيقية وبرامج التنمية الريفية لرفع دخل المزارعين وتمكين المرأة الريفية والشباب في سلاسل القيمة الزراعية.
خامساً: مصر ونموذج الأمن الغذائي المتكامل
تتبنى مصر رؤية شاملة لتحقيق الأمن الغذائي تعتمد على التوسع الأفقي والرأسي في الإنتاج الزراعي، من خلال مشروعات قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة، وتوشكى، ومستقبل مصر.
كما تنفذ الدولة خططًا طموحة لإدارة الموارد المائية بكفاءة، وتطبيق نظم الري الحديثة، والتوسع في الزراعة الذكية والمستدامة.
ويأتي دور مركز البحوث الزراعية محورياً في دعم هذه الجهود من خلال تطوير الأصناف المقاومة للجفاف والملوحة، وإنتاج تقنيات حديثة للري والتسميد.
سادساً: المستقبل القريب… نحو غذاء مستدام للجميع
يواجه العالم تحديات غير مسبوقة، لكن المستقبل لا يزال واعداً إذا توفرت الإرادة السياسية والتعاون الدولي. ويتطلب ضمان الأمن الغذائي في المستقبل القريب تغيير أنماط الاستهلاك الغذائي، وتبني الابتكار الزراعي، وتقليل الفاقد والهدر، إلى جانب الاستثمار في البحث العلمي ونقل التكنولوجيا. كما يجب أن تظل العدالة في توزيع الموارد والتكافل بين الشعوب أساسًا لبناء نظام غذائي عالمي أكثر إنصافاً واستدامة.
إن الاحتفال بيوم الأغذية العالمي ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو نداء عالمي متجدد للضمير الإنساني بضرورة العمل معاً لتحقيق شعار “يداً بيد من أجل غذاء أفضل ومستقبل أفضل”.
ولن يتحقق هذا المستقبل إلا بإيماننا العميق بأن الغذاء حق لكل إنسان، وأن الزراعة المستدامة هي طريقنا لضمان حياة كريمة للأجيال القادمة. إن مستقبل الغذاء في العالم لن يُبنى بالشعارات، بل بالعلم والعمل والتكافل بين الشعوب. فالقضاء على الجوع ليس حلمًا مستحيلًا، بل إرادة إنسانية قابلة للتحقيق إذا اجتمع عليها العالم بصدق وإيمان بالمسؤولية المشتركة. لنجعل من يوم الغذاء العالمي نقطة تحول، لنجدد التزامنا بالعمل المشترك لمكافحة الجوع وسوء التغذية. لنعمل معاً من أجل مستقبل لا يُترك فيه أحد خلف الركب، مستقبل يكون فيه الغذاء الوفير والآمن حقاً لكل إنسان
بقلم: أ.د/ علي إسماعيل – أستاذ إدارة الأراضي والمياه بمركز البحوث الزراعية – مصر






