اسعار السلعبحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالاتخدماتيزراعة

د هالة أبو يوسف تكتب: تطور تدريب المبيدات في مصر: ثلاثون عاماً صنعت الفارق في الحقل والتصدير

رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية – وزارة الزراعة – مصر

على مدى ما يزيد عن ثلاثة عقود، شهدت منظومة تدريب المبيدات في مصر تحولاً عميقاً يعكس تطور نظرتنا إلى مكافحة الآفات وإنتاج الغذاء الآمن. فقد بدأ التدريب في التسعينيات منطلقاً من التركيز على أساسيات التعامل مع المبيدات ومكوناتها وجرعاتها ومعدات تطبيق المبيد (الرش)، وهو ما ساعد في ذلك الوقت على تقليل الحوادث وإرساء قواعد أولية للاستخدام المسئول، لكنه لم يكن كافياً لمواكبة تحديات المقاومة أو المتطلبات البيئية وسوق التصدير.
ومع دخول العالم في مرحلة الإدارة المتكاملة للآفات، تغير مفهوم التدريب ليصبح أقرب إلى فلسفة زراعية كاملة تربط بين قرار الرش ومرحلة نمو النبات، وبين شدة الإصابة ووقت التدخل، وبين الاختيار السليم للمبيد وبدائله الممكنة. وقد ساهم هذا التحول في الحد من التطبيق العشوائي للمبيد، ورفع كفاءة المكافحة، وترشيد استخدام المبيدات، لكنه أيضاً كشف عن أهمية وجود آليات رقابية تضمن تطبيق المعرفة في الحقل، لا الاكتفاء بنقلها داخل القاعات.
ثم جاءت المرحلة الأهم خلال السنوات الأخيرة، عندما فرضت الأسواق الدولية، وخاصة الأوروبية، معايير أشد صرامة فيما يتعلق بالحدود القصوى لمتبقيات المبيدات MRLs في المنتجات الزراعية المصدرة. فأصبح التدريب ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التصدير، وامتد ليشمل فهم حدود MRLs، وآليات جمع العينات، ومتطلبات الأسواق المستهدفة، وأساليب المكافحة الوقائية، وبناء برامج مكافحة للآفات تتوافق مع الاشتراطات الدولية.

وهنا بدأنا نرى انعكاساً فعلياً لهذا التدريب في حقول الموالح والعنب والفراولة والرمان، حيث تحسنت النتائج، وانخفضت الأخطاء، وتعززت القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
ولم يكن لهذا التطور أن يتحقق لولا الدور المحوري للجنة مبيدات الآفات الزراعية، التي انتقلت من كونها جهة تنظيمية تصدر جداول المبيدات المسموح بها والمحظورة وتراقب التداول، إلى جهة وطنية رائدة في بناء القدرات ووضع المناهج التطبيقية للإدارة المتكاملة، وتطوير ضوابط مهنية تضمن الاستخدام المسئول للمبيدات.

وقد انطلقت اللجنة إلى خطوة فارقة بتأسيس منظومة “تأهيل مطبقي المبيدات”، التي شكلت نقلة نوعية في مفهوم التدريب ذاته. فبدلاً من أن يكون استخدام المبيد حقاً مفتوحاً لأي شخص، أصبح نشاطاً مهنياً لا يمارسه إلا من تم تدريبه واعتماده ومراقبة أداءه ميدانياً.

لقد أسهمت هذه المنظومة في خفض حالات التسمم، وتقليل التطبيق غير المسئول للمبيد، والحد من مشكلات متبقيات المبيدات، كما أسهمت في نقل المعرفة من المستوى النظري إلى الحقل، بحيث أصبح مطبق المبيدات محوراً أساسياً في حماية المحصول والعامل والمستهلك والبيئة.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك فجوات تحتاج إلى معالجة جادة، مثل عدم انتظام التدريب في بعض المحافظات، وتفاوت مستوى الوعي بين المحاصيل التصديرية والمحاصيل المحلية، والحاجة المستمرة إلى تحديث المناهج مع تغير التشريعات الدولية، إضافة إلى ضعف الثقافة الاقتصادية التي تربط بين الإدارة الجيدة للمبيدات وتحقيق الربحية للمزارع.

أما المستقبل، فهو يتجه نحو تدريب أكثر ذكاءً وتكاملاً، يعتمد على التحول الرقمي، واستخدام تطبيقات الهاتف المحمول لتحديد المبيد المناسب، ومحاكاة مخاطر تطبيق المبيد بالواقع الافتراضي، وربط التدريب بالرخص المهنية، وتقييم الأداء الحقلي للمزارعين ومطبقي المبيدات. فالمعرفة لم تعد هدفاً في ذاتها، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تحقق ثلاثة أهداف رئيسية: رفع جودة الإنتاج، وتوفير غذاء آمن، وزيادة القدرة التنافسية للصادرات المصرية.

وبعد رحلة طويلة من التطوير، يمكن القول إن برامج تدريب المبيدات لم تعد مجرد نشاط إرشادي، بل أصبحت ركيزة من ركائز الأمن الغذائي الوطني، وعاملاً أساسياً في حماية المستهلك والبيئة، وعنصراً مؤثراً في مستقبل الزراعة المصرية.

ومع استمرار التحديث والرقمنة والتوسع في بناء القدرات، نمتلك اليوم فرصة حقيقية لتقديم نموذج مصري رائد في الاستخدام الآمن والمسئول للمبيدات، نموذج يرتكز على العلم، وينطلق من الحقل، ويصنع فارقاً ملموساً في جودة وسمعة منتجاتنا الزراعية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى