حوارات و مقالاتزراعة

د هالة أبو يوسف تكتب : الاستدامة لا تعني إلغاء المبيدات.. كيف تحقق الدول توازنًا بين الزراعة والبيئة؟

في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الاستدامة الزراعية جزءًا أصيلًا من النقاش العالمي حول مستقبل الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية. وفي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن تحقيق الاستدامة يعني التخلي التام عن المبيدات، فإن التجارب العلمية والعملية تؤكد أن الإدارة الرشيدة للمبيدات – دون إلغاءها – هي الطريق الأكثر واقعية للحفاظ على الإنتاج الزراعي وتوازن البيئة في آن واحد. فالمبيدات، حين تُستخدم وفق ضوابط دقيقة ومعايير علمية واضحة، تمثل إحدى الركائز الأساسية لحماية المحاصيل من الآفات والأمراض التي تهدد الإنتاجية، وتساهم في ضمان غذاء صحي وآمن للمستهلك.

لقد أثبتت الدراسات أن خسائر المحاصيل في حال غياب وسائل مكافحة الآفات قد تتراوح بين 30–50%، وهي نسبة كفيلة بزعزعة أمن الغذاء وزيادة تكاليف الإنتاج. غير أن الإفراط في استخدام المبيدات، أو تسويق منتجات غير آمنة، أو عدم الالتزام بمعدلات الاستخدام الموصى بها، قد يؤدي إلى آثار بيئية وصحية غير مرغوبة. ومن هنا تتجلى أهمية الإدارة المتكاملة للآفات باعتبارها الإطار الذي يوازن بين الحاجة إلى حماية المحصول وتقليل الأثر البيئي، عبر دمج الممارسات الزراعية الجيدة، واستخدام الأعداء الحيوية، واعتماد المبيدات الحديثة ذات معدلات استخدام أقل ومنخفضة السمية.

وفي مصر، تقوم لجنة مبيدات الآفات الزراعية بدور محوري في تحقيق هذا التوازن، عبر منظومة لإدارة المبيدات تُعنى بالتقييم العلمي الدقيق للمبيد قبل تسجيله، ورصد آثاره السلبية على صحة الإنسان والبيئة، والتحقق من فعاليته ضد الآفات المستهدفة. كما تلتزم اللجنة بتحديث القوائم المبيدات المعتمدة من خلال إصدار كتاب طباعة التوصيات الفنية المعتمدة لمكافحة الآفات سنوياً، وإتاحة بدائل آمنة وفعالة للمزارعين، بما يشمل المبيدات الحيوية والأعداء الطبيعية، وذلك في إطار رؤية واضحة لتعزيز الإدارة المستدامة للمبيدات وتقليل الاعتماد على المستحضرات عالية الخطورة.

ويُعد التدريب والتوعية إحدى أهم دعائم عمل اللجنة، حيث يتم تنفيذ برامج تستهدف المزارعين والمطبقين ومفتشي الرقابة لرفع كفاءتهم في التطبيق السليم للمبيدات، وضبط معدلات الاستخدام، وفهم مبادئ الإدارة المتكاملة للآفات. كما تقوم اللجنة بتنفيذ برنامجين لرصد متبقيات المبيدات في الخضر والفاكهة في الأسواق المحلية والمزارع عن الحصاد، وذك للتأكد من التزام جميع الأطراف بالتشريعات، وسحب المنتجات المخالفة أو غير المرخصة، ضمانًا لحماية الصحة العامة والبيئة، وحرصًا على الحفاظ على سمعة الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق الدولية.

لقد أثبتت التجارب الدولية، في دول مثل هولندا واليابان، أن التطور التكنولوجي والرصد الذكي للآفات واستخدام المبيدات الانتقائية والأعداء الحيوية يمكن أن يخفض استخدام المبيدات التقليدية بنسبة كبيرة دون التأثير على الإنتاجية. وهذه الدروس تقدم نموذجًا واضحًا لما يجب على الدول الساعية لتحقيق الاستدامة الزراعية أن تتبناه: إدارة علمية دقيقة، لا حظرًا مطلقًا ولا استخدامًا عشوائيًا.

ورغم التقدم الكبير الذي أحرزته مصر في تنظيم تداول المبيدات، فإن تحديات عدة ما تزال قائمة، من بينها نقص الوعي لدى بعض المزارعين، ووجود منتجات غير آمنة في السوق، وظهور آفات جديدة بفعل تغير المناخ تتطلب استجابة مرنة وسريعة. وللتعامل مع هذه التحديات، تعمل لجنة مبيدات الآفات الزراعية على تعزيز استخدام البدائل الحيوية، وتحديث قاعدة بيانات رقمية تتيح معلومات دقيقة عن المبيدات وبدائلها، وتعميق التعاون مع المؤسسات الدولية لضمان توافق السياسات الوطنية مع المعايير العالمية.

إن الاستدامة الزراعية ليست شعارًا نظريًا، بل هي مسئولية مشتركة تتطلب التزامًا علميًا وميدانيًا، وتعاونًا وثيقًا بين المزارعين والباحثين والجهات التنظيمية. ومن خلال منظومة علمية شاملة، ورقابة صارمة، وتوجيه مستمر، تواصل لجنة مبيدات الآفات الزراعية دورها في ضمان استخدام آمن وفعّال للمبيدات، ودعم التحول نحو نظم إنتاج أكثر حفاظًا على البيئة. وبذلك يتحقق الهدف الأسمى: زراعة قادرة على الاستمرار، وبيئة مصانة، وغذاء آمن للأجيال الحالية والمقبلة.

بقلم: أ.د. هالة أبو يوسف

رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية

 

زر الذهاب إلى الأعلى