بحوث ومنظماتبيزنستقارير

د هالة أبو يوسف تكتب: ثقافة المبيدات… معرفة تصنع الفارق وتضمن المستقبل

رئيس لجنة المبيدات – وزارة الزراعة -مصر

في عالم الزراعة المعاصر لم تعد المبيدات مجرد مواد تُستخدم عند الحاجة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا ضمن منظومة إدارة الآفات التي تجمع بين العلم والتشريع والممارسة الميدانية والمسئولية المجتمعية. ورغم الدور المحوري للقوانين المنظمة لتداول المبيدات واستخدامها، فإن المعرفة العلمية وثقافة الاستخدام تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق الاستخدام الآمن وضمان جودة الغذاء وحماية البيئة والمحصول في آن واحد. فالتشريع يضع الحدود، لكن المعرفة هي التي تجعل هذه الحدود جزءًا من السلوك اليومي للعاملين في الحقل الزراعي.

القوانين تُصدر لتحدد الاشتراطات وتنظم التداول وتفرض فترات الأمان (فترات ما قبل الحصاد PHI) وتضمن عدم استخدام المبيد خارج نطاق توصياته، لكن هذه القوانين لا تُترجم إلى ممارسة واقعية إلا من خلال الوعي الذي يدفع المزارع والمطبّق والتاجر والمصدّر إلى تبني سلوك مسئول قائم على الفهم لا مجرد الالتزام الشكلي.

المبيدات والإستخدام المسئول والعشوائي

إن الفارق بين استخدام مسئول للمبيد وآخر عشوائي قد يكون جملة علمية غائبة أو فهمًا غير مكتمل، وليس بالضرورة تشريعًا جديدًا. فحين يدرك المزارع لماذا تُحدد معدلات الاستخدام بدقة، وما الذي يترتب على تجاوزها، وكيف يمكن للخلط العشوائي أن يؤثر على صحة المستهلك وسمعة الصادرات، تتحول توصيات المبيدات من شكل تنظيمي إلى ممارسة واعية تعكس فهمًا عميقًا للعواقب.

ثقافة المبيدات منظومة تتقاطع فيها أدوار متعددة؛ تبدأ من المستورد والمصنّع الذي يلتزم بالمواصفات ويتجنب الغش، مرورًا بالتاجر الذي لا يبيع إلا مبيدًا مسجلاً ومعتمدًا، وصولًا إلى المطبّق الذي يتلقى تدريبًا مهنيًا ويحترم قواعد السلامة، والمزارع الذي يتعامل مع المبيد كأداة علمية لا علاجًا سريعًا، والمُصدّر الذي يدرك أهمية الالتزام بالحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، والمستهلك الواعي الذي يدعم الممارسات المسئولة من خلال اختياراته.

وفي قلب هذه المنظومة تأتي لجنة مبيدات الآفات الزراعية باعتبارها المؤسسة العلمية والتنظيمية التي تربط بين التشريع والمعرفة وتعمل على تحويل العلم إلى ممارسة واعية.

لا تقتصر مهام اللجنة على الترخيص، بل تبدأ من تسجيل علمي دقيق للمبيد، يراعي السمية والتأثير البيئي والفاعلية واحتمالات ظهور مقاومة من الآفة لفعل المبيد والمتبقيات، لتضمن عدم وصول أي مبيد إلى السوق إلا بعد اجتياز تقييم علمي صارم.

ثم تمتد إلى ضبط التداول ومكافحة الغش من خلال حملات الرقابة والمتابعة، والعمل على حماية الأسواق التصديرية من المخاطر الناتجة عن المواد مجهولة المصدر.

تأهيل مطبقي المبيدات

كما تولي اللجنة أهمية خاصة لتأهيل مطبّقي المبيدات، إدراكًا بأن الإنسان المدرب هو الضمانة الأولى للاستخدام المسئول، وتعمل على إصدار توصيات فنية تراعي طبيعة الآفة والمحصول ومتطلبات الأسواق الدولية والمعايير الأوروبية والعالمية، إلى جانب جهودها المستمرة في التوعية والإرشاد وبناء الوعي من خلال الندوات والدورات الإرشادية والإصدارات العلمية التي يتم نشرها على الموقع الالكتروني للجنة لتصل لكل المهتمين بهذا القطاع بالمجان، ويأتي على رأسها كتاب “التوصيات المعتمدة لمكافحة الافات الزراعية” الذي يصدر سنوياً منذ أكثر منذ عام 2012 حتى تاريخه.

التشريعات وتطوير المبيدات

تصبح المعرفة أهم من التشريع حين ندرك أن المبيد أداة علمية تحتاج إلى جرعة دقيقة وموعد مناسب وطريقة تطبيق صحيحة وفهم لفترة ما قبل الحصاد، فأي خطأ قد يعني تجاوز الحدود المسموح بها لمتبقيات المبيدات وفقدان أسواق تصديرية وتعرض المزارع والمستهلك لمخاطر صحية وبيئية.

ويظل القانون وسيلة للردع، لكنه لا يستطيع وحده تشكيل القناعات وتغيير السلوك، بينما تمتلك المعرفة القدرة على بناء وعي مستدام تتوارثه المهنة وتدعمه الخبرة. كما أن ارتباط الزراعة المصرية بالأسواق العالمية يجعل الالتزام بالمعايير الدولية ضرورة لا رفاهية، ويحتم استخدام المبيدات بحكمة في إطار الإدارة المتكاملة للآفات التي توازن بين المكافحة الكيميائية والبدائل الحيوية والممارسات الزراعية الجيدة.

المستقبل الزراعي لا يعتمد على استخدام المبيدات فحسب، بل على إدارة رشيدة للآفات تأخذ في الاعتبار البيئة والتنوع الحيوي وجودة الغذاء، وتشجع البدائل وتحدّث القوائم وتتابع المستجدات الدولية.

تطبيقات المبيدات

وبناء ثقافة وطنية للمبيدات يبدأ بربط العلم بالممارسة، وتأهيل كل فرد يتعامل مع المبيدات، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وصناعة إعلام زراعي متخصص يترجم المعارف العلمية إلى لغة يفهمها الجميع.

إن التشريع يضع الإطار العام ويحدد الحدود الآمنة، لكنه لا يحقق فاعليته الكاملة إلا عندما يتحول إلى ثقافة راسخة يلتزم بها العاملون في الحقل الزراعي عن اقتناع.

فالمعرفة تمنح القدرة على اتخاذ القرار الصحيح من البداية، وتضمن الاستخدام المسؤول الذي يحافظ على صحة الإنسان، ويحمي البيئة، ويعزز تنافسية الصادرات المصرية عالميًا. وهكذا فإن مستقبل الزراعة الآمنة لا يُكتب في نصوص القوانين فقط، بل في وعي كل من يدرك أن الغذاء مسئولية مشتركة، وأن المبيد علم قبل أن يكون مجرد عبوة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى