د طارق عبدالعليم يكتب: ما قبل تطبيق «ضريبة الكربون الأوروبية»… تهديد صامت يقترب من المصدرين
باحث – المعمل المركزي للمبيدات – مركز البحوث الزراعية – مصر
مع اقتراب عام 2026، تبدو الساحة التجارية الدولية على موعد مع تحول غير مسبوق سيطال حركة السلع العابرة إلى الاتحاد الأوروبى، أحد أهم شركاء التجارة لدول المنطقة. هذا التحول يتمثل فى بدء التطبيق الكامل لما يعرف بـ آلية تعديل الكربون على الحدود — CBAM، أو ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«ضريبة الكربون الحدودية».
هذه الآلية ليست مجرد إجراء بيئى، بل إطار اقتصادىوتنظيمى سيضيف بعدًا جديدًا إلى سعر أى سلعة تدخل السوق الأوروبية، يقوم على تسعير الانبعاثات الكربونية المصاحبة لإنتاجها، بحيث لا تصبح المنتجات المستوردة أقل تكلفة من نظيراتها الأوروبية التى تتحمل بالفعل تكلفة سياسات المناخ داخل دول الاتحاد.
الواقع يقول إننا أصبحنا بالفعل فىالأمتار الأخيرة قبل التطبيق، بينما لا تزال درجة الاستعداد فى العديد من الدول النامية — ومن بينها دول عربية — دون المستوى الذى يتناسب مع حجم التحول القادم.
من مرحلة التجربة… إلى مرحلة إلزامية الدفع
بدأ الاتحاد الأوروبى منذ أكتوبر 2023 تطبيق مرحلة انتقالية، ألزم خلالها المستوردين الأوروبيين بتقديم تقارير ربع سنوية عن حجم الانبعاثات المرتبطة بعدد من السلع المستوردة، تشمل:
الحديد والصلب
الأسمنت
الألومنيوم
الأسمدة
الكهرباء
الهيدروجين
ولم تُفرض رسوم مالية خلال هذه الفترة، لكنها كانت — فى حقيقتها — مرحلة تدريب إلزامية تمهيدًا لتطبيق الآلية بصورة مالية كاملة اعتبارًا من يناير 2026، حيث سيُطلب من المستورد شراء «شهادات كربونية» تعكس الانبعاثات المصاحبة للسلعة. وبالتبعية، ستنعكس هذه التكلفة على سعر الشراء من المورد الخارجى.
الهدف المعلن… والانعكاس الاقتصادى
يعلن الاتحاد الأوروبى أن الهدف هو منع تسرب الكربون؛ أى تجنب انتقال الصناعات كثيفة الانبعاثات إلى دول أقل التزامًا بالمعايير البيئية. غير أن الآلية تحمل كذلك بعدًا اقتصاديًا واضحًا، يضمن تكافؤ الفرص بين المنتج الأوروبى — الذى يتحمل تكلفة المناخ — والمنتج القادم من الخارج.
وبمعنى مباشر:
كلما ارتفعت البصمة الكربونية للسلعة… ارتفعت تكلفة دخولها إلى أوروبا
تحديات للمصدرين… والوقت يمر سريعًا
اعتاد المصدرون التركيز على عناصر مثل الجودة، المواصفات الفنية، متبقيات المبيدات، ومعايير التعبئة والتداول. إلا أن المرحلة المقبلة تضيف متطلبًا جديدًا لا يقل أهمية:
تقديم بيانات موثقة عن الانبعاثات الكربونية المصاحبة للإنتاج — من المزرعة أو المصنع وحتى بوابة التصدير.
هذه الخطوة تحتاج إلى:
نظم دقيقة لتجميع البيانات
جهات متخصصة لقياس البصمة الكربونية
شهادات معتمدة
كوادر فنية مدربة
واستثمارات قد تكون ملحوظة فى بعض القطاعات
وتصبح الصعوبة مضاعفة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التى قد لا تمتلك الموارد الكافية لإدارة هذا الملف المعقد.
التأثير المحتمل على القدرة التنافسية
فى حال عدم الاستعداد، قد تشهد بعض الصادرات:
زيادة فى تكلفة النفاذ إلى السوق الأوروبية
تراجعًا فى القدرة على المنافسة السعرية
اتجاه بعض المستوردين الأوروبيين إلى موردين بدائل أقل بصمة كربونية
إعادة توزيع العقود التجارية على أساس معيار بيئى إلى جانب المعيار الاقتصادى
وهذا يعنى أن قضية «الكربون» لن تكون شأنًا بيئيًا فحسب، بل عنصرًا حاسمًا فى معادلة التجارة الدولية.
هل هى سياسة بيئية بحتة؟
الإجابة مركبة.
فالآلية تنطلق من التزام أوروبى معلن بتحقيق الحياد الكربونى بحلول عام 2050، لكنها — فى الوقت ذاته — تمنع خروج الاستثمارات الصناعية من أوروبا نحو دول ذات معايير بيئية أقل صرامة.
بالتالى يمكن القول إننا أمام مزيج من الأهداف البيئية والاقتصادية معًا.
ماذا ينبغى فعله؟
المرحلة المقبلة تتطلب تحركًا مبكرًا ومنظمًا يشمل:
1- قياس البصمة الكربونية
بناءً على بيانات واقعية تغطى مراحل الإنتاج والتداول كافة.
2- تحديد مصادر الانبعاثات
سواء كانت فى الطاقة، أو النقل، أو العمليات الصناعية، أو مدخلات الإنتاج.
3- تنفيذ برامج خفض الانبعاثات
من خلال:
تحسين كفاءة استخدام الطاقة
التحول لمصادر أنظف كلما أمكن
تحديث المعدات
تقليل الفاقد والهدر
4- إنشاء نظم توثيق ومراجعة
تضمن مصداقية البيانات المقدمة للأسواق الأوروبية.
5- بناء قدرات فنية
عبر تدريب العاملين والمتعاملين مع ملف التصدير.
دور الدولة… شريك أساسىفى التحول
لا يمكن للقطاع الخاص وحده تحمل أعباء هذا التحول. ومن ثم تصبح هناك أهمية لدور حكومى داعم يشمل:
وضع أطر ومعايير وطنية لقياس الانبعاثات
تقديم الدعم الفنىوالإرشادى للمصدرين
إتاحة مراكز وبيوت خبرة وطنية معتمدة
توفير حوافز للتحول إلى الطاقة النظيفة
التنسيق مع الشركاء الأوروبيين لتخفيف الأعباء على المصدرين
كما أن الجهات الرقابية والتنظيمية المرتبطة بالمدخلات الزراعية والصناعية — مثل الجهات المعنية بتسجيل المبيدات والكيماويات — لها دور مهم فى تحسين الأداء البيئى لسلاسل الإنتاج.
رسالة إلى مجتمع الأعمال
السؤال لم يعد:
هل سيُطبق الاتحاد الأوروبى ضريبة الكربون؟
فالإجابة باتت محسومة.
السؤال الحقيقى هو:
هل ستكون صادراتنا جاهزة للتعامل مع المنظومة الجديدة؟
الاستثمار فى الاستعداد اليوم قد يتحول إلى ميزة تنافسية خلال السنوات المقبلة، بينما قد يدفع التأخر ثمنه تراجعًا فى الحضور داخل أحد أهم الأسواق العالمية.
إننا بالفعل فىالأمتار الأخيرة قبل التطبيق…
ولا يزال الباب مفتوحًا — وإن كان يضيق — أمام من يسعى للحفاظ على مكانته فى السوق الأوروبية.






