د هالة أبو يوسف تكتب: عام 2025 التحولات الكبرى في المبيدات بين التكنولوجيا والحوكمة والاستدامة
رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية- وزارة الزراعة- مصر
شهد عام 2025 مرحلة فارقة في مسار صناعة المبيدات الزراعية عالميًا، حيث لم تعد هذه الصناعة تُقاس فقط بقدرتها على مكافحة الآفات، بل بمدى اندماجها في منظومة أوسع تضم التكنولوجيا المتقدمة، والحوكمة الرشيدة، والاستدامة البيئية، وضمان سلامة الغذاء. لقد تزامن هذا التحول مع تصاعد التحديات المرتبطة بتغير المناخ، وتنامي الطلب العالمي على الغذاء، وارتفاع وعي المستهلكين بالمخاطر الصحية والبيئية، الأمر الذي أعاد صياغة مفهوم إدارة المبيدات من جذوره.
وخلال هذا العام، برز اتجاه عالمي واضح نحو الابتعاد التدريجي عن الكيمياء التقليدية عالية الخطورة، لصالح حلول أكثر أمانًا ودقة. فقد شهدت المبيدات الحيوية والميكروبية توسعًا غير مسبوق، مدفوعة بالتشريعات الصارمة والطلب المتزايد على بدائل صديقة للبيئة. كما تطورت المستحضرات القائمة على الكائنات الدقيقة من حيث تحسين السلالات ورفع كفاءة الثبات والفاعلية، إلى جانب التوسع في استخدام المواد شبه الكيميائية المعتمدة على الفيرومونات لتعطيل التزاوج وتقليل كثافات الآفات دون الإضرار بالكائنات النافعة. وفي السياق ذاته، انتقلت المستخلصات النباتية من مرحلة الاستخدام التقليدي غير المقنن إلى مستحضرات معيارية دقيقة تعتمد على تقنيات استخلاص وتقييس متقدمة. وبرزت تقنيات تداخل الحمض النووي الريبي (RNA) كأحد ملامح الجيل القادم من أدوات المكافحة، لما توفره من استهداف بالغ الدقة لجينات الآفة، مع تقليل التأثيرات غير المرغوبة على الإنسان والبيئة، رغم استمرار النقاشات التنظيمية حولها.
الذكاء الإصطناعي والمبيدات
وفي موازاة هذا التطور العلمي، شهد عام 2025 طفرة حقيقية في توظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة المبيدات. فقد أتاح تحليل البيانات الضخمة، وربط معلومات المناخ والتربة والصور الجوية، التنبؤ بمواعيد الإصابة وتحديد توقيتات الرش المثلى، بما يقلل الاستخدام العشوائي ويرفع كفاءة المكافحة. كما أصبحت الطائرات بدون طيار (drones) أداة عملية في عدد متزايد من الدول، لما توفره من دقة عالية في التطبيق وتقليل الفاقد والتعرض البشري للمخاطر. وتزامن ذلك مع فرض نظم تتبع رقمية صارمة داخل سلاسل الإمداد الزراعي، حيث باتت الأسواق الكبرى تشترط تسجيلًا كاملًا وشفافًا لكل معاملات المبيدات، وهو ما عزز من الرقابة وسلامة المنتجات المتداولة.
وعلى الصعيد التنظيمي، واصل عام 2025 تشديد الأطر التشريعية، لا سيما داخل الاتحاد الأوروبي، الذي استمر في مراجعة المواد الفعالة، وخفض الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs)، وتقييد استخدام المواد ذات الخطورة العالية (HHPs)، في إطار سياسات الصفقة الخضراء (Green deal). وقد انعكست هذه السياسات بشكل مباشر على التجارة الدولية، وفرضت على الدول المصدّرة التزامًا أدق ببرامج المكافحة المتكاملة وإدارة المخاطر. وفي المقابل، اتجهت الولايات المتحدة إلى توسيع مفهوم تقييم دورة الحياة البيئية للمنتجات، بينما تسارعت بعض الدول الآسيوية نحو توطين صناعة المبيدات الحيوية وتقليل الاعتماد على الواردات.
المبيدات ومعدلات الوعي للمستهلكين في العالم
وتزامن هذا التشدد التنظيمي مع ارتفاع غير مسبوق في وعي المستهلك العالمي بقضايا السلامة الغذائية. فقد ازدادت معدلات الفحص الحدودي، وتوسعت تطبيقات التحليل متعدد البقايا، وبرزت أسواق جديدة للمنتجات منخفضة المتبقيات والمنتجات العضوية. وأصبح مفهوم إدارة المخاطر المبنية على الأدلة العلمية، وليس المنع المطلق، هو الإطار الحاكم للسياسات الحديثة.
وفي هذا السياق، عادت الإدارة المتكاملة للآفات لتتصدر المشهد كخيار استراتيجي لا غنى عنه، حيث لم يعد المبيد سوى أداة ضمن منظومة متكاملة تشمل المكافحة الحيوية، والدورات الزراعية، والنظافة الحقلية، واستخدام المصائد والمواد الجاذبة، ونظم الإنذار المبكر. وقد فرضت القيود التنظيمية وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية هذا النهج كخيار عملي واقتصادي في آن واحد.
ورغم هذا التقدم، لا تزال التحديات قائمة، وفي مقدمتها تطور مقاومة الآفات نتيجة سوء الاستخدام، وانتشار المبيدات المغشوشة في بعض الأسواق، وتفاوت القدرات التنظيمية بين الدول، إلى جانب الفجوة المعرفية لدى صغار المزارعين. كما تمثل التكلفة المرتفعة للبحث والتطوير أحد أسباب تراجع تسجيل المواد الكيميائية الجديدة مقارنة بالعقود السابقة.
وفي ظل هذه المتغيرات، أصبحت الدول الزراعية المصدّرة مطالبة بتطوير منظوماتها الرقابية والتحليلية، ورفع كفاءة الإرشاد الزراعي، وتبني برامج حقيقية للإدارة المتكاملة للآفات، والالتزام الدقيق بالحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، وإنشاء قواعد بيانات وطنية لتتبع استخدام المبيدات، حيث لم تعد الأسواق العالمية تقبل بهوامش الخطأ.
الدور الوطني في التوازن بين حماية الإنتاج الزراعي وضمان السلامة الصحية
وفي هذا الإطار، تبرز لجنة مبيدات الآفات الزراعية في مصر كنموذج وطني يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الإنتاج الزراعي وضمان السلامة الصحية والبيئية. فقد اضطلعت اللجنة بدور محوري في ضبط سوق المبيدات، ومكافحة الغش، وتطبيق نظام صارم لتسجيل المستحضرات وفق معايير علمية متوافقة مع المرجعيات الدولية، إلى جانب تعزيز آليات التفتيش والرقابة الميدانية. كما أسهمت جهود اللجنة في دعم الزراعة التصديرية من خلال اعتماد برامج مكافحة متوافقة مع الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، وإصدار قوائم إرشادية للمبيدات الآمنة على المحاصيل التصديرية، ودعم نظم التتبع والتحقق، بما يعزز تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية.
ولا يقتصر دور اللجنة على التنظيم والرقابة، بل يمتد إلى تمكين منهج الإدارة المتكاملة للآفات، وتشجيع استخدام البدائل الحيوية، ووضع ضوابط للممارسات الزراعية الجيدة، بما يرسخ الانتقال من ثقافة المكافحة الكيميائية إلى ثقافة إدارة المخاطر. كما تولي اللجنة اهتمامًا خاصًا بنشر المعرفة من خلال التدريب والإرشاد، وبناء قدرات المفتشين، وتعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحوث، إيمانًا بأن الوعي العلمي يمثل خط الدفاع الأول لحماية الإنسان والبيئة. وفي إطار التوجه العالمي لتوطين التكنولوجيا، تدعم اللجنة التصنيع المحلي المسئول للمبيدات، مع ضمان الجودة والالتزام البيئي ونقل المعرفة الفنية الحديثة، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ويمكن القول إن عام 2025 شكّل مفترق طرق حقيقيًا في تاريخ إدارة مبيدات الآفات الزراعية، حيث انتقلت من كونها منتجات كيميائية إلى منظومة متكاملة تقوم على العلم والتكنولوجيا والاستدامة.
وتوضح المؤشرات أن السنوات المقبلة ستشهد تراجعًا متزايدًا في حصة المبيدات عالية السمية، وتوسعًا في الحلول الحيوية والذكية، مع اعتبار الاستدامة شرطًا أساسيًا لدخول الأسواق العالمية. إن الرسالة الأوضح من حصاد هذا العام هي أن المستقبل لا يكمن في إلغاء المبيدات، بل في إدارتها بذكاء ومسئولية، بما يحقق الأمن الغذائي ويحمي صحة الإنسان والبيئة.






