حوارات و مقالات

د. زينب عبد البديع تكتب: العلاقة بين تغيّر المناخ ومقاومة المضادات الحيوية في البكتيريا

لم يعد تغيّر المناخ يُنظر إليه باعتباره أزمة بيئية محصورة في البحار والغابات والأنظمة البيئية الطبيعية، بل أصبح يُصنّف اليوم بوصفه “مُضاعِفًا للمخاطر” (Threat Multiplier) في مجال الصحة العامة.

فقد أظهرت الأدلة العلمية المتزايدة أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية، واضطراب الأنماط المناخية، والتغيرات البيئية المصاحبة لها تؤثر بصورة مباشرة في سلوك الميكروبات وانتشار الأمراض، وفي مقدمتها قدرتها على اكتساب الضراوة ومقاومة المضادات الحيوية.
ويمثّل ذلك أحد المحركات الخفية لما يُعرف بـ “الجائحة الصامتة” لمقاومة مضادات الميكروبات (silent pandemic” of Antimicrobial Resistance – AMR)، وهي أزمة صحية عالمية تهدد عقود من التقدم الطبي. ففي البيئات التي تتعرض لارتفاع الحرارة، والجفاف، والفيضانات، والإجهاد البيئي، تواجه البكتيريا ضغوطًا انتقائية تؤدي إلى تغيّرات جينية وتنظيمية تعزّز من بقائها، من خلال تنشيط آليات مثل مضخات الطرد (efflux pumps)، وتعديل مواقع ارتباط الأدوية، وزيادة تكوين الأغشية الحيوية (biofilms). تُعدّ مقاومة الكائنات الدقيقة للمضادات الحيوية من أخطر التحديات الصحية العالمية نظرًا لتأثيرها المباشر في فاعلية العلاجات وزيادة صعوبة السيطرة على الأمراض المعدية.
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن مقاومة المضادات الحيوية قد شهدت تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أوضحت البيانات أن ما يقارب واحدة من كل ست حالات عدوى بكتيرية مؤكدة مختبريًا أصبحت غير مستجيبة للعلاج التقليدي. كما أظهرت التحليلات ارتفاع معدلات المقاومة في أكثر من 40٪ من تركيبات المضادات الحيوية بين عامي 2018 و2023، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 5 و15٪.
وتبرز خطورة الوضع بشكل خاص في البكتيريا سالبة الغرام المقاومة للأدوية، مثل Escherichia coli وKlebsiella pneumoniae وSalmonella. فقد بينت الإحصاءات أن أكثر من 40٪ من معزولات E. coli، وما يقارب 55٪ من معزولات Klebsiella pneumoniae، أصبحت مقاومة للجيل الثالث من سيفالوسبورين (Cephalosporin)والتي تُعد خط العلاج الأول لالتهابات مجرى الدم. وتزداد حدة المشكلة في بعض مناطق أفريقيا، حيث تتجاوز نسب المقاومة 70٪.
علاوة على ذلك، بدأت مضادات “الملاذ الأخير” مثل الكاربابينيمات (Carbapenem) والفلوروكينولونات(fluoroquinolones) في فقدان فعاليتها ضد السالمونيلا(Salmonella) ، مما ينذر بعودة بعض الأمراض التي كانت قابلة للعلاج إلى كونها قاتلة ، ويؤكد الحاجة الملحة إلى تطوير استراتيجيات جديدة لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية على المستوى العالمي.
يرتبط هذا الارتفاع جزئيًا بالتغيرات المناخية عبر عدة مسارات:

التوسع الجغرافي للبكتيريا

مع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1–2 درجة مئوية بحلول منتصف القرن وفق تقارير IPCC، تتمدد المناطق المناسبة لبقاء البكتيريا الممرِضة، مما يسمح لها بالانتشار إلى مناطق لم تكن قادرة على استعمارها سابقًا. وتُعد بكتيريا مثل Vibrio cholerae (المسببة للكوليرا) تزداد انتشارها في المياه الدافئة، مما يزيد من حالات الإصابة في مناطق مثل آسيا وأفريقيا أمثلة بارزة على ذلك.

تسارع معدلات التكاثر والتكيّف

أظهرت دراسات في Science Advances أن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة قد يزيد من نمو البكتيريا المقاومة بنسبة تصل إلى 20٪، ما يسرّع من ظهور الطفرات وانتشار الجينات المقاومة.

تعزيز الانتقال الأفقي للجينات

الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية تزيد من نشاط البلازميدات، مما يسهل انتقال الجينات المقاومة بين السلالات والأنواع البكتيرية المختلفة.
.
الآليات البيولوجية التي تربط الحرارة بالمقاومة:
1. الإجهاد الحراري والانتقاء الطبيعي:
الحرارة المرتفعة تُدخل البكتيريا في حالة إجهادًا حراريًا، يعمل كمحفز للعمليات الحيوية داخل الخلية البكتيرية مما يدفعها إلى سرعة التكاثر وتفعيل جينات الاستجابة للإجهاد أو اكتساب طفرات جديدة تساعدها على البقاء او تنشّط فيها مسارات إصلاح DNA غير الدقيقة، مما يزيد من الطفرات، وبعضها يمنح مقاومة دوائية.
2. زيادة الضراوة(Virulence):
الضراوة هي قدرة البكتيريا على إحداث المرض. ارتفاع الحرارة يؤثر مباشرة على جينات معينة مثل :
تفعيل جينات السموم: بعض البكتيريا (مثل بكتيريا “الكوليرا” أو “الفايبريو” أو ” سموم Clostridium difficile، التي تسبب عدوى معوية خطيرة “) تصبح أكثر إنتاجاً للسموم عندما ترتفع درجة حرارة المياه.
تكوين الغشاء الحيوي (Biofilm): تؤدي الحرارة الي الإجهاد مما يحفّز بعض الأنواع البكتيريا على بناء طبقات حماية لزجة تجعل من الصعب جداً على المضادات الحيوية أو الجهاز المناعي اختراقها وتدميرها.
3. الأحداث المناخية المتطرفة
يؤثر المناخ على كيفية وصول هذه البكتيريا إلينا:
ذوبان التربة الصقيعية (Permafrost): يؤدي ذوبان الجليد في القطبين إلى إطلاق بكتيريا وفيروسات كانت “مجمدة” لآلاف السنين، تحمل جينات قديمة لا تملك أجسادنا أو أدويتنا الحالية خبرة في التعامل معها.
الفيضانات والجفاف: الفيضانات تنقل البكتيريا المقاومة من مخلفات المزارع والمصانع إلى مياه الشرب، بينما يجبر الجفاف الكائنات الحية على التجمع حول مصادر مياه محدودة وملوثة، مما يزيد من فرص انتقال العدوى وتطورها.
الحاجة إلى نهج “الصحة الواحدة” (One Health) وتأثيرها
العلاقة بين المناخ والبكتيريا تؤكد أن صحة الإنسان مرتبطة ولا يمكن فصلها بصحة الحيوان والبيئة والمناخ. فكل ارتفاع طفيف في درجات الحرارة يرتبط بزيادة قابلة للقياس في معدلات AMR داخل المستشفيات والمجتمعات.
لذلك، يجب أن تقوم الاستراتيجيات المستقبلية على نهج الصحة الواحدة (One Health)، الذي يدمج بين:
مكافحة تغيّر المناخ وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة عبر الطاقة المتجددة للحد من ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة.
تحسين البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية (WASH) لتقليل انتشار السالمونيلا في البيئة.
تعزيز المراقبة (Surveillance) الشاملة للبكتريا المقاومة في البشر، والحيوانات، والبيئة، والمواد الغذائية.
الاستخدام الرشيد والمدروس للمضادات الحيوية في كل من الطب البشري والحيواني والزراعة.
الاستثمار في الدراسات الجينومية لفهم التطور البكتيري بشكل أفضل

الخلاصة

إن تغيّر المناخ لا يخلق فقط بيئة أكثر ملاءمة لانتشار السالمونيلا، بل يحوّلها إلى مختبر تطوري مفتوح يسمح لها باختبار جينات جديدة، وزيادة ضراوتها، وتعزيز مقاومتها للمضادات الحيوية.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، فإن تجاهل هذا الارتباط سيجعل من أزمة مقاومة المضادات الحيوية أحد أخطر تهديدات الصحة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

الدكتورة: زينب عبد البديع السيد

باحث -المعمل المرجعي للرقابة على الإنتاج الدجاني

معهد بحوث الصحة الحيوانية

 

سعيد محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين ومتخصص فى مجال الزراعة والأراضي والمياه والبيئة والانتاج الحيواني والداجني وصادراتهم
زر الذهاب إلى الأعلى