زراعة

فيضانات تنهي جفاف المغرب وتخلّف خسائر واسعة مع آمال بموسم زراعي واعد

بعد سبع سنوات من الجفاف الحاد الذي أثّر سلبًا على مختلف مناحي الحياة في المغرب، وتسبب في تهديد مباشر لقطاعات حيوية على رأسها الزراعة، شهدت المملكة موجة فيضانات غير مسبوقة منذ نحو عقدين، أنهت فعليًا أزمة الجفاف، لكنها خلّفت أضرارًا كبيرة، بالتوازي مع مؤشرات إيجابية لمستقبل الموسم الزراعي.

الفيضانات التي اجتاحت البلاد منذ أواخر 2025 وحتى فبراير 2026، تسببت في أضرار جسيمة بأربعة أقاليم، غير أنها أعادت الأمل للمزارعين بموسم فلاحي جيد في ظل وفرة الموارد المائية.

وتُعد الزراعة ركيزة أساسية للاقتصاد المغربي، إذ توفّر فرص عمل لنحو ثلث القوى العاملة، وتسهم بقوة في النمو الاقتصادي، فضلًا عن ارتباطها بقطاعات حيوية أخرى، خصوصًا الصناعات الغذائية الموجه جزء مهم منها للتصدير.

وامتدت موجة الجفاف من عام 2018 حتى أواخر 2025، قبل أن تشهد البلاد تحولًا لافتًا مع تساقط أمطار غزيرة بدءًا من نوفمبر الماضي، وبلغت ذروتها في يناير وفبراير 2026، ما أدى إلى فيضانات واسعة.

ومنذ 28 يناير، شهدت أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان شمالًا، والقنيطرة غربًا، فيضانات شملت عدة مدن، خاصة مدينة القصر الكبير، نتيجة ارتفاع منسوب وادي اللوكوس بعد تجاوز سد واد المخازن طاقته الاستيعابية لتصل إلى 156 بالمئة، وفق بيانات رسمية.

خسائر زراعية كبيرة

استمرت الفيضانات لأسابيع، وأغرقت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، خاصة في محيط مدينة سيدي علال التازي، المعروفة بإنتاج الخضراوات والفواكه.

وبحسب معطيات الأرصاد الجوية، يُصنّف النصف الأول من شتاء هذا الموسم كثالث أكثر الفترات مطرًا في المغرب بعد عامي 1996 و2010.

وقال العربي جلالات، وهو مزارع من قرية ملاقيط بضواحي علال التازي، إن السيول قضت على مختلف أنواع المزروعات في القرية، مشيرًا إلى تضرر الفلاحين الذين يعتمدون على زراعة القمح والشعير وبعض الخضراوات مثل اللوبيا.

وطالب جلالات بتعويض المتضررين من المزارعين ومربي الماشية، مؤكدًا أنهم فقدوا محاصيلهم ومواشيهم، إلى جانب ضرورة إصلاح البنية التحتية لتفادي تكرار مثل هذه الكوارث.

من جانبه، أوضح المزارع محمد التازي أن الأمطار الغزيرة، رغم أهميتها، تسببت في أضرار جسيمة بسبب شدتها، مشيرًا إلى أن الفلاحين كانوا يأملون في تساقطات منتظمة ومتوازنة.

وأكد التازي تسجيل خسائر كبيرة في المحاصيل، ما زاد من صعوبة الأوضاع المعيشية للسكان الذين يعتمدون بشكل كامل على النشاط الزراعي.

دعم حكومي

أشار التازي إلى أن السلطات المحلية قامت بحصر المتضررين تمهيدًا لتعويضهم، موضحًا أن القمح والشعير والفول كانت من أكثر الزراعات تضررًا.

وخلال ذروة الفيضانات، اضطر السكان إلى مغادرة منازلهم، ولجأ كثيرون إلى المدارس كمراكز إيواء مؤقتة في ظل ظروف استثنائية.

وبحسب بيانات رسمية، أجلت السلطات بين 28 يناير و12 فبراير 2026 أكثر من 188 ألف شخص من الأقاليم الأربعة، فيما أسفرت الفيضانات عن وفاة أربعة أشخاص وفقدان آخر، وأغرقت أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية.

وفي 12 فبراير، أعلنت الحكومة تخصيص 300 مليون دولار لدعم المناطق المتضررة، تشمل إعادة الإعمار، مساعدات عينية، دعمًا للمزارعين، وإصلاح البنية الأساسية.

كما تقرر صرف تعويضات بقيمة 140 ألف درهم لأصحاب المنازل المنهارة، إضافة إلى 6 آلاف درهم لكل أسرة متضررة.

نعمة بعد نقمة

خلال سنوات الجفاف، تراجعت مخزونات السدود إلى مستويات حرجة، حيث هبطت في بعض الفترات عام 2025 إلى أقل من 30 بالمئة، كما انخفض الإنتاج الزراعي، خاصة الحبوب والخضراوات، وازدادت الضغوط على الموارد المائية وارتفعت كلفة الاستيراد.

ورغم الخسائر الأخيرة، اعتبر التازي أن هذه الأمطار تمثل في جوهرها “أمطار خير”، مؤكدًا أن البلاد كانت في حاجة ماسة إليها بعد تراجع منسوب المياه الجوفية ومعاناة الفلاحين.

بدوره، أشار جلالات إلى أن الأمطار ستنعكس إيجابًا على القطاع الزراعي مستقبلًا، مع ضرورة إعادة تأهيل الأراضي المتضررة.

وأكد وزير الفلاحة أحمد البواري أن التساقطات الأخيرة كان لها أثر إيجابي واضح على الموسم الفلاحي، خاصة الحبوب والخضراوات والأشجار المثمرة، فضلًا عن تحسن المراعي.

وأوضح أن المعدل التراكمي للأمطار بلغ 360 ملم، بزيادة 54 بالمئة مقارنة بمتوسط الثلاثين عامًا الماضية، ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في الموارد المائية ومؤشرات الموسم الزراعي.

ومع تحسن الأحوال الجوية، بدأت عودة تدريجية للآلاف من السكان الذين تم إجلاؤهم، تنفيذًا لخطة وضعتها السلطات لتنظيم عودة آمنة إلى المناطق المتضررة.

 

معتز محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين منذ ٥ سنوات، ومهتم بالشئون الزراعية والاقتصادية وعملت في تغطية أخبار النقابات أسعى لتقديم المعلومات بشفافية تامة لتصل بوضوح إلى الباحثين عنها
زر الذهاب إلى الأعلى