بحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالاتخدماتيزراعة

د حسناء أبوطالب تكتب: حكمة تناول التمور في إفطار رمضان

باحث أول بقسم بحوث تكنولوجيا الحاصلات البستانية – معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية  

يُعدّ التمر من أقدم الأغذية الطبيعية التي عرفها الإنسان، وقد ارتبطت هذه الثمرة المباركة بالحياة الغذائية والصحية والثقافية في المجتمعات الإسلامية. في كل عام ومع دخول شهر رمضان المبارك، يتجدد الاهتمام بهذه الثمرة المباركة، ليس فقط لطعمها المحبب، بل لما تحويه من فوائد غذائية وصحية مهمة خاصة بعد الصيام. يعتبر تناول التمر عند الإفطار سنة نبوية، وقد أثبت العلم الحديث أن لها أثرًا مباشرًا في تعويض الطاقة وتحسين الصحة العامة بعد ساعات طويلة من الصيام.

القيمة الغذائية للتمور:

يعتبر التمر غذاءً مثالياً للصائمين، حيث يوفر طاقة فورية ومعادن ضرورية (بوتاسيوم، مغنيسيوم، حديد) لتعويض نقص السوائل وتوازن السكر بسرعة بعد ساعات الصيام الطويلة حيث يحتوي التمر على:

السكريات البسيطة والمركبة:

يتكون التمر من حوالي 75% من الكربوهيدرات، معظمها على شكل سكريات طبيعية مثل الجلوكوز والفركتوز، هذه السكريات البسيطة تدخل مجرى الدم بسرعة فائقة، لتعوض الانخفاض الحاد في سكر الدم وتمنح الصائم دفعة طاقة فورية تعيد إليه نشاطه وتركيزه خلال دقائق ، علاوة على ذلك، أن التمر يحتوي أيضاً على كربوهيدرات معقدة تهضم ببطء، مما يضمن إطلاقاً تدريجياً للطاقة خلال الساعات التالية، فلا يشعر الصائم بالخمول المفاجئ بعد الإفطار مباشرة.

عناصر معدنية أساسية:

التمر كنز من المعادن التي يفقدها الجسم خلال ساعات الصيام الطويلة، خاصة مع التعرق أهمها:

البوتاسيوم:

يعمل بمثابة “مغناطيس” للماء، حيث يجذب السوائل إلى الخلايا ويعيد ترطيب الجسم بكفاءة عالية كما أنه يدعم وظائف القلب والعضلات ويمنع التشنجات العضلية المؤلمة.

المغنيسيوم:

عنصر أساسي لإنتاج الطاقة وتقليل الشعور بالتعب والإجهاد.

الحديد:

يقي من فقر الدم (الأنيميا) ويساعد في نقل الأكسجين إلى جميع خلايا الجسم، مما يزيد النشاط والحيوية.

الألياف الغذائية:

يحتوي التمر على نسبة عالية من الألياف، وهي عنصر بالغ الأهمية للصائم، فالألياف تساعد على تهيئة المعدة لاستقبال الطعام بعد فترة راحة طويلة، وتنظم حركة الأمعاء، وتمنع الإمساك الذي يعاني منه كثيرون خلال رمضان، كما أنها تعزز الشعور بالشبع، مما يمنع الصائم من الإفراط في تناول الطعام مباشرة بعد الإفطار.

الفيتامينات ومضادات الأكسدة:

يحتوي التمر على فيتامينات مهمة مثل (أ، ك، 6 ب) بالإضافة إلى مركبات الفلافونويد والكاروتينات وهي مضادات أكسدة قوية تحمي الخلايا من التلف، وتعزز جهاز المناعة، وتقي من حدوث الالتهابات.

القيمة الصحية لتناول التمر:

تشير الدراسات إلى أن التمر له فوائد صحية متعددة منها:

تحسين الهضم:

الألياف الموجودة في التمر تساعد في حركة الأمعاء وتحسين الهضم، فهي تحفز إفراز العصارات الهاضمة بلطف، وتهيئ المعدة والأمعاء لاستقبال الوجبة الرئيسية، مما يقلل من عسر الهضم والحموضة.                    

 حماية القلب:

البوتاسيوم والمغنيسيوم ومضادات الأكسدة تعمل معاً على تنظيم ضغط الدم، وخفض مستويات الكوليسترول الضار، وتعزيز صحة القلب والأوعية الدموية، مما يقي من النوبات القلبية.

إعادة توازن السكر:

التمر يعيد ضبط مستوى السكر في الدم بشكل متوازن، ويُجنب الصائم الهبوط الحاد الذي يسبب الدوخة والصداع، كما يمنع الارتفاع المفاجئ الذي تسببه الحلويات والمشروبات السكرية المصنعة.

الترطيب الفعال:

شرب الماء بعد تناول التمر ليس مجرد عادة، بل هو تفاعل كيميائي حيوي فعال، فالماء يمتزج مع البوتاسيوم والمعادن الأخرى ليتم امتصاصه والاستفادة منه في أسرع وقت، مما يعوض فقدان السوائل بكفاءة أعلى من شرب الماء وحده.

التمر وأهميته في الإفطار بعد الصيام:

الصيام عبارة عن توقف عن تناول الطعام والشراب لمدة 12–16 ساعة أو أكثر، مما يستهلك مخزون الطاقة في الجسم، لذلك يحتاج الجسم عند الإفطار إلى طاقة سهلة الامتصاص وسريعة التوفّر. التمر يمثل مثالًا ممتازًا لذلك؛ إذ يحتوي على سكريات بسيطة مثل الجلوكوز والفراكتوز، التي تمتص بسرعة في مجرى الدم، فتعمل على:

  • رفع مستوى الطاقة بسرعة بعد الصيام الطويل.
  • تعزيز استقرار السكر في الجسم دون ارتفاع حاد في السكر.
  • تقليل الشعور بالإرهاق والتعب.
  • تحسين المزاج والقدرة على التركيز بعد الإفطار.

ما ورد في السنة النبوية عن التمر وعدد التمرات:

  • قد ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تُشجِّع على التمر قال الرسول ﷺ

” إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه أطهر”…… (أخرجه أبو داود والترمذي)

  • ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات، وغالبًا بعدد فردي، عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله ﷺ “يُفطر على رُطباتٍ قبل أن يُصلي، فإن لم تكن رُطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسواتٍ من ماء”
    (رواه أبو داود والترمذي)
  • وثبت في صفة أكله ﷺ أنه كان يحب العدد الفردي؛ ومن ذلك قوله ﷺ “ان الله وتر يحب الوتر”….  (متفق عليه).
  • كما ثبت في صحيح البخاري أنه ﷺ كان يأكل تمراتٍ وتراً في بعض المناسبات (كأكل تمرات قبل الخروج لصلاة العيد)
  • إن السنة النبوية المشرفة لا تأتي بشيء إلا وفيه الخير كله، فقد وجد أنه عند تحليل الكميات الفردية التي كان النبي ﷺ يتناولها (غالباً 3 أو 5 أو 7 تمرات)، نجد أنها تتوافق تماماً مع مبادئ التغذية الحديثة القائمة على الاعتدال وضبط الكميات، ودلالات هذه الأعداد هي:

 الرقم 1 (البداية المباركة):

تناول تمرة واحدة مع شربة ماء هو البداية المثالية لكسر الصيام فهي بمثابة “جرعة منشطة” للجسم، تُعطى تنبيه بأن الطعام قادم، وتبعث إشارات استعداد للجهاز الهضمي دون إرهاقه.

 الرقم 3 (الكمية الذهبية للبالغين):

تشير معظم التوصيات الصحية إلى أن تناول 3 تمرات (حوالي 60-75 سعر حراري) هو الكمية المثالية للبالغين الأصحاء عند الإفطار، هذه الكمية كافية لـ :

– رفع مستوى السكر في الدم بشكل تدريجي ومعتدل.

– توفير جرعة جيدة من البوتاسيوم والمغنيسيوم.

– كسر حدة الجوع الشديد، مما يسمح للصائم بالذهاب للصلاة بهدوء، ثم العودة لتناول وجبة متوازنة دون شراهة.

 الرقم 5 (للنشاط البدني العالي):

تناول 5 تمرات يعد مناسباً لمن يحتاج طاقة أكبر، مثل الأطفال في مرحلة النموأو من يبذلون مجهوداً بدنياً كبيراً خلال النهار، حيث تمنحهم سعرات حرارية إضافية وعناصر غذائية تدعم نشاطهم.

الرقم 7 (للمناسبات والحالات الخاصة):

ورد أن النبي ﷺ كان يتناول أحياناً سبع تمرات، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن تناول سبع تمرات من نوع معين (كالعجوة) قد يكون له تأثير وقائي خاص………… فقد ورد عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في صحيح البخاري: قال رسول الله ﷺ: “مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ” ………….  (الحديث متفق عليه)

استخدامات التمر في رمضان وتأثيره على الإفطار:

التمر ليس فقط للتناول وحده، بل يدخل في تحضير العديد من الأطعمة الرمضانية مثل:

  • عصائر التمر مع الحليب أو الماء.
  • مخفوقات التمر مع الزبادي.
  • إضافته للسلطات أو الخبز الصحي.
  • استخدامه في الحلويات بشكل معتدل.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى