د هبة بيومي تكتب: البصمة الكربونية للمائدة الرمضانية
باحث بمعهد بحوث تكنولوجيا الاغذيه- مركز البحوث الزراعية- مصر
هل نعلم أن ما نضعه على مائدة الإفطار لا يؤثر فقط على صحتنا، بل أيضًا على المناخ والبيئة ؟
مع حلول شهر رمضان المبارك تتزين الموائد بأنواع متعددة من الأطعمة والمشروبات التي تعكس التراث الغذائي والثقافة الاجتماعية للمجتمعات العربية. وبينما يركز الصائم غالبًا على القيمة الغذائية والصحية لما يتناوله، يظل هناك جانب غير مرئي لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو الأثر البيئي للطعام أو ما يُعرف بالبصمة الكربونية للمائدة الرمضانية.
فالغذاء الذي نستهلكه لا يؤثر فقط في صحتنا، بل يمتد تأثيره ليشمل البيئة والمناخ، بدءًا من زراعته وإنتاجه وحتى استهلاكه والتخلص من بقاياه ، وكما أن شهر رمضان يعتبرفرصة ذهبية لتهذيب النفس وترسيخ القيم الدينية التي تصلح علاقتنا مع الله ،فيمكن أن يكون أيضاً محطه للأعتدال والترشيد البيئي وتقليل البصمة الكربونية الغذائية.
ما المقصود بالبصمة الكربونية الغذائية؟
البصمة الكربونية الغذائية هي مقياس لإجمالي إنبعاثات الغازات الدفيئة (مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان) الناتجة عن إنتاج (الإنتاج الزراعي وتربية الحيوانات)، وتصنيع، ونقل، وتخزين، واستهلاك الغذاء (الطهي والتحضير المنزلي)، وصولاً إلى التخلص من نفاياتة (التخلص من بقايا الطعام والهدر الغذائي(، وتعكس هذه البصمة الأثر البيئي لنظامنا الغذائي، وبمعنى آخر، لكل طبق غذائي “تكلفة بيئية” غير مرئية ترافقه حتى يصل إلى مائدة الإفطار أو السحور.
لماذا ترتفع البصمة الكربونية خلال شهر رمضان؟
يشهد شهر رمضان تغيرًا ملحوظًاً في السلوك الغذائي، حيث تزداد معدلات شراء وتحضير الطعام مقارنة ببقية شهور العام، وهو ما يؤدي إلى زيادة الانبعاثات الكربونية لعدة أسباب.
1. الإفراط في إعداد الطعام
تميل الأسر إلى إعداد كميات تفوق الاحتياج الفعلي، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الفاقد الغذائي، ويُعد الهدر الغذائي أحد أهم مصادر الانبعاثات نتيجة تحلل الطعام وإطلاق غاز الميثان.
2. الاعتماد على أطعمة مرتفعة البصمة الكربونية
تحتوي بعض الأطباق الرمضانية التقليدية على نسب عالية من اللحوم الحمراء والأطعمة المصنعة، وهي من أكثر الأغذية مساهمة في الانبعاثات مقارنة بالبقوليات والخضروات.
3. طرق الطهي كثيفة استهلاك الطاقة
القلي العميق والطهي لفترات طويلة باستخدام الأفران يرفع استهلاك الطاقة المنزلية، وبالتالي يزيد الأثر الكربوني للوجبة.
4. زيادة استخدام العبوات والتغليف
الاعتماد المتزايد على الأغذية الجاهزة والعصائر المعبأة يؤدي إلى تراكم النفايات البلاستيكية وزيادة الأثر البيئي.
البصمة الكربونية لأنواع الغذاء المختلفة
تختلف البصمة الكربونية للغذاء بناءً على نوعه وطريقة إنتاجه، حيث تعتبر الأغذية الحيوانية، وخاصة لحوم الأبقار والضأن، الأعلى انبعاثاً لغازات الاحتباس الحراري، متجاوزة 20-60 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كجم، بينما تتميز الأغذية النباتية مثل البطاطس (0.22 كجم) والفواكه ببصمة كربونية منخفضة جداً، مما يجعل الحمية النباتية أكثر استدامة بيئياً.
وتشير الدراسات الحديثة في علوم التغذية والاستدامة إلى اختلاف كبير في التأثير البيئي للأغذية، حيث أن البصمة الكربونية للأنواع المختلفة من الأغذية تختلف علي حسب مصدرها وهذة بعض الأمثله (كيلو جرام من 𝐶𝑂2𝑒 لكل كجم من الغذاء):
- لحوم الأبقار والأغنام: الأعلى انبعاثاً (تتجاوز 20-60 كجم) نظراً لاستهلاكها العالي للموارد وإزالة الغابات، مما يجعلها الأكثر ضرراً على المناخ.
- الجبن والألبان: بصمة عالية (>20 كجم).
- الدواجن والأسماك: بصمة متوسطة إلى منخفضة (6-7 كجم) مقارنة باللحوم الحمراء.
- زيت النخيل: بصمة كربونية مرتفعة نسبياً (8 كجم).
- الخضروات والفواكه: منخفضة البصمة (غالباً أقل من 1 كجم).
- البطاطس: تعتبر من أفضل الكربوهيدرات كفاءة بيئياً (0.22 كجم).
وتعد البقوليات والخضروات الموسمية الأقل تأثيرًا على البيئة ،و تقل الانبعاثات عند استهلاك المنتجات المحلية مقارنة بالمستوردة نتيجة انخفاض مسافات النقل والتخزين ،وهذا التفاوت يمنح المستهلك فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات غذائية أكثر استدامة دون التخلي عن التنوع الغذائي.
مائدة رمضان فرصة لخفض البصمة الكربونية وتحقيق الاستدامه الغذائية
تحقيق الاستدامة الغذائية أوخفض البصمه الكربونية لا يعني تقليل جودة الطعام أو متعته، بل يعتمد على الاختيار الذكي للغذاء لتحقيق توازن بين الصحة والبيئة والاقتصاد الغذائي دون فقدان روح الضيافة والعادات الرمضانية الجميلة ،وقد يتحقق ذالك بالتركّيز على تقليل هدر الطعام، والاعتماد على المنتجات النباتية والمحلية الموسمية، وتقليل استهلاك اللحوم، وتجنب البلاستيك أحادي الاستخدام، مما يساهم في خفض الانبعاثات الناتجة عن الزراعة، النقل، والتبريد وتطبيق هذه الخطوات لا يحمي البيئة فحسب، بل يساعد أيضاً في توفير الأموال.
وهذة بعض النصائح لتحقيق الإستدامه الغذائيه وتقليل البصمة الكربونية من خلال وجبات الأفطار والسحور:
- التخطيط الذكي قبل إعداد الطعام : تشير الدراسات إلى أن التخطيط المسبق يقلل هدر الغذاء بنسبة قد تصل إلى 30–40%. وفي شهررمضان ليست المشكله فقط في اختيار نوع الطعام بل الإفراط والهدروبالتالي من الضروري إعداد قائمة أسبوعية للإفطار والسحور ، حساب عدد الأفراد بدقة قبل الطهي وتجهيز كميات مناسبة بدل الطهي العشوائي وإعادة توظيف بقايا الطعام في وصفات جديدة (مثل تحويل الخضار المطهية إلى شوربة).
- الموازنة بين البروتين الحيواني والنباتي : تقنين كمية اللحوم (خاصة الحمراء) واستبدلها بالبقوليات والحبوب والخضروات، حيث تستهلك تربية المواشي طاقة أعلى بكثير ،فإدخال أطباق مثل العدس والفول والحمص ضمن وجبات الإفطار والسحور يساهم في تقليل الانبعاثات وتقليل البصمة الكربونية للوجبة حتى 5 مرات مقارنة بلحم بقري مع توفير قيمة غذائية عالية و تزيد الشبع وتحسن صحة الجهاز الهضمي بعد الصيام.
- اختيار الأغذية الموسمية والمحلية:الأطعمة المنتجة محليًا تحتاج إلى طاقة أقل للنقل والتخزين خاصة اذا كان التخزين في ثلاجات فيكون البصمه الكربونيه له أعلي، كما أن إستهلاك الأغذية المحلية يدعم الأقتصاد المحلي.
- الحد من الهدر الغذائي : رمضان من أكثر الفترات التي يرتفع فيها هدر الغذاء عالميًا ويمكن تقليل الفاقد عبرحفظ الطعام بطريقة صحيحة بالتبريد او التجميد وإعادة استخدام بقايا الطعام في وصفات جديدة ا(سلطات – شوربات – حشوات) أو مشاركته مع المحتاجين من الفقراء.
- اعتماد طرق طهي منخفضة الطاقة :مثل الطهي بالبخار أو باستخدام أواني الضغط، والتي تقلل استهلاك الطاقة وتحافظ على العناصر الغذائية، طهي أكثر من صنف في الفرن دفعة واحدة ، نقع البقوليات مسبقًا لتقليل وقت الطهي ، إطفاء النار قبل تمام النضج بدقائق والاستفادة من الحرارة المتبقية فتقليل الهدر بنسبة 50% يخفض البصمة الكربونية للأسرة بشكل كبير دون تغيير نوع الطعام.
- تقليل البلاستيك أحادي الاستخدام: بتجنب الأطباق والأكواب البلاستيكية، واستخدام الأدوات القابلة للغسل وإعادة الاستخدام.
بهذا المعنى، تصبح المائدة الرمضانية مساحة تجمع بين العبادة والوعي البيئي؛ حيث يتحول الإفطار من عادة يومية إلى ممارسة تعكس قيم الاعتدال والامتنان والمسؤولية تجاه الأرض ،ومن التمر الذي نبدأ به إفطارنا، يمكن أن تبدأ أيضًا رحلتنا نحو استدامة غذائية تجعل رمضان أكثر انسجامًا مع الإنسان والبيئة معًا.
ختاماً: الاستدامة تبدأ من طبق الطعام
يمثل شهر رمضان فرصة مثالية لإعادة التفكير في عاداتنا الغذائية، ليس فقط من منظور صحي أو ديني، بل أيضًا من منظور بيئي وإنساني. فاختياراتنا اليومية على مائدة الإفطار قادرة، ولو بشكل بسيط، على تقليل الأثر البيئي والمساهمة في حماية كوكب الأرض.
إن المائدة الرمضانية المستدامة ليست مفهومًا معقدًا، بل هي ممارسة واعية تجمع بين الاعتدال، وتقليل الهدر، واختيار الغذاء المسؤول. وهكذا يصبح الصيام تجربة متكاملة تعزز صحة الإنسان وتحافظ في الوقت ذاته على توازن البيئة التي يعيش فيها ، فتقليل البصمه الكربونيه في رمضان لا تعني تقليل متعة الطعام، بل تعني اختيارًا واعيًا يجعل عبادتنا أكثر انسجامًا مع حماية الأرض. دمتم بصحه وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير.Bottom of Form
المراجع
Clune, S., Crossin, E., & Verghese, K. (2017). Systematic review of greenhouse gas emissions for different fresh food categories. Journal of Cleaner Production, 140, 766–783.
EAT-Lancet Commission. (2019). Food in the Anthropocene: The EAT-Lancet Commission on healthy diets from sustainable food systems. The Lancet, 393(10170), 447–492.
Food and Agriculture Organization, & World Health Organization. (2019). Sustainable healthy diets – Guiding principles. Rome: FAO & WHO.
Lessan, N., & Ali, T. (2019). Energy metabolism and intermittent fasting: The Ramadan perspective. Nutrition Journal, 18, 1–10. https://doi.org/10.1186/s12937-019-0458-4
Poore, J., & Nemecek, T. (2018). Reducing food’s environmental impacts through producers and consumers. Science, 360(6392), 987–992.






