بحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالاتخدماتي

د احمد ابو خشبة يكتب: شهر رمضان فرصة ذهبية لإعادة  ضبط صحة الجسم

باحث –مركز البحوث الزراعية –معهد تكنولوجيا الأغذية – مصر

يُعد شهر رمضان المبارك محطة سنوية فريدة، ليس فقط للتعبد والروحانيات، بل هو فرصة ذهبية لإعادة ضبط إيقاع حياتنا، خاصة على المستوى الصحي والغذائي. إنه شهر الانضباط، حيث ننتقل من نمط الطعام المستمر طوال اليوم إلى نافذة زمنية محددة للأكل. لكن التحدي الحقيقي يكمن في التحول من الصيام إلى الإفطار؛ حيث تميل الموائد إلى الامتلاء بالأطعمة المقلية الغنية بالزيوت، والحلويات الشهية الغنية بالقطر والسمن. فكيف لنا أن نوفق بين متعة المذاق الذي اعتدنا عليه وبين الحفاظ على صحة أجسامنا؟ تكمن الإجابة في فهمنا العميق للدهون، وكيفية توظيفها بذكاء خلال هذا الشهر الفضيل.

الدهون: ليست عدوًا بل حليف ذكي

قبل أن نحكم على الدهون، يجب أن نعرف قيمتها الحقيقية. الدهون ليست مجرد مصدر للسعرات الحرارية، بل هي عنصر غذائي أساسي لا غنى عنه فهي:

مخزن الطاقة: تمد الجسم بالطاقة المركزة (9 سعرات حرارية لكل جرام).

لبنة بناء: تدخل في تركيب أغشية الخلايا.

منظم هرموني: تساهم في إنتاج هرمونات حيوية،وبعض الفيتامينات مثل فيتامين د.

معزز الشبع: تمنحنا الشعور بالامتلاء لفترات أطول، خاصة خلال ساعات الصيام الطويلة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الدهون بحد ذاتها، بل في النوع الذي نختاره، والكمية التي نتناولها، والطريقة التي نطبخ بها.

رحلة بين أنواع الدهون: اختيارات ذكية لموائد صحية

لفهم كيف نوازن، يجب أن نفرق بين أنواع الدهون وتأثيرها:

أولاً: الدهون غير المشبعة (الأبطال الخارقون)

تضم هذه المجموعة الزيوت النباتية السائلة مثل زيت الزيتون، زيت دوار الشمس، زيت الذرة، وزيت الكانولا. تتميز بفوائد عديدة:

غنية بالأحماض الدهنية الأساسية (أوميجا 3 و 6).

تساعد في خفض الكوليسترول الضار (LDL) وتعزز صحة القلب والشرايين.

نصيحة ذهبية: اجعل زيت الزيتون البكر صديقك الدائم في السلطات والمقبلات الباردة. واستخدم زيوتًا مثل دوار الشمس أو الذرة للطهي على نار هادئة، فهي تتحمل درجات حرارة أعلى.

ثانيًا: الدهون المشبعة (الضيف الخفيف)

تشمل الزبدة والسمن والدهون الحيوانية. هي ليست ممنوعة تمامًا، فهي تضفي نكهة لذيذة على الطعام، لكنها ضيف يجب أن يظل خفيفًا على المائدة. الإفراط فيها يرفع الكوليسترول الضار، لذا يكفي استخدامها بكميات محدودة جدًا، خاصة لمن يعاني من أمراض القلب أو السمنة.

أخطاء شائعة في مطابخنا الرمضانية

اعتاد الكثيرون على عادات طهي تضر بالصحة دون قصد، ومن أبرزها:

إعادة استخدام زيت القلي مرارًا وتكرارًا: وهي أخطر العادات، حيث تؤدي الحرارة العالية المتكررة إلى تحلل الزيت وتكوين مركبات مؤكسدة ودهون متحولة ضارة بالصحة على المدى البعيد.

الإفراط في القلي العميق: تحويل السمبوسة والخضروات إلى إسفنجات تمتص الزيت.

الطهي على درجات حرارة عالية جدًا: مما يفسد الزيت ويحرق الطعام.

تناول وجبة ثقيلة دسمة دفعة واحدة: مما يصيب الجهاز الهضمي بالصدمة والخمول بعد يوم طويل من الصيام.

استراتيجيات علمية لرمضان صحي ولذيذ

لنحوّل المعادلة لصالحنا، إليك دليل الطهي الذكي:

تحكم في الكمية: تذكر دائماً أن ملعقة الطعام الواحدة من الزيت تحتوي على حوالي 120 سعرًا حراريًا. يكفي الشخص البالغ 2-3 ملاعق طعام يوميًا من الزيوت ضمن نظامه الغذائي المتوازن.

غير طريقتك في الطهي: قل “نعم” للشوي، والسلق، والطهي بالبخار، والقلي الهوائي(Air fryer ).      هذه الطرق تمنحك نفس المذاق اللذيذ ولكن بكمية دهون أقل بكثير.

نوّع مصادر الدهون الصحية:

لا تقتصر على الزيوت فقط. أضف حفنة من المكسرات النيئة إلى السلطات أو التمر، وتناول الأسماك الدهنية (مثل السلمون) مرة أو مرتين أسبوعيًا لتحصل على توازن رائع بين أوميجا 3 وأوميجا 6.

تجنب الدهون المتحولة نهائيًا: اقرأ الملصقات الغذائية وتجنب المنتجات المصنعة والمقلية تجاريًا التي تحتوي على زيوت مهدرجة جزئيًا.

توزيع الدهون بذكاء بين الإفطار والسحورعلى مائدة الإفطار:

البداية: ابدأ بتناول التمر والماء لتهيئة المعدة بلطف.

الوجبة: تجنّب التهام المقليات فورًا. ابدأ بحساء دافئ وسلطة غنية بزيت الزيتون، ثم تناول وجبتك الرئيسية التي تحتوي على الدهون الصحية باعتدال.

المساعدة: احرص على تناول الخضروات والفواكه وشرب الماء الكافي؛ فهي تساعد على الهضم وتخفف من تأثير الدهون الثقيلة.

في السحور:

السر في البطء: اختر أطعمة تحتوي على دهون صحية خفيفة تبطئ عملية الهضم، مثل إضافة ملعقة من زيت الزيتون أو الطحينة إلى طبق الفول. هذا يساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول أثناء النهار.

الابتعاد عن الدسم:

تجنب الأطعمة شديدة الدسم في السحور، فهي تسبب العطش وعسر الهضم خلال ساعات الصيام.

خلاصة القول: المفتاح في الوعي

في النهاية، يمكننا القول بثقة أن الزيوت والدهون ليست عدوًا للصحة في رمضان. بالعكس، هي حليف مهم إذا أحسنّا التعامل معها. السر كله يكمن في ثلاثة عناصر رئيسية: النوع المناسب، والكمية المناسبة، وطريقة الطهي الصحيحة. بقليل من الوعي الغذائي والتخطيط المسبق، يمكننا أن نجعل موائدنا الرمضانية تجمع بأبهى صورة بين الطعم الشهي الذي نشتاق إليه، والصحة المستدامة التي ننشدها. رمضان فرصة، فلنغتنمها لنتعلم عادات غذائية أفضل تستمر معنا طوال العام.

 

زر الذهاب إلى الأعلى