بحوث ومنظماتبيزنسحوارات و مقالاتخدماتيزراعة

د طارق عبدالعليم يكتب: مواجهة متبقيات المبيدات لتعزيز وصول الصادرات لأوروبا

 باحث – المعمل المركزي للمبيدات- مركز البحوث الزراعية- مصر

يعد “الاتفاق الأخضر الأوروبي” وتحديداً استراتيجية “من المزرعة إلى الشوكة”، التحدي الأبرز الذي يواجه الصادرات الزراعية المصرية. فبينما يطمح الاتحاد الأوروبي لخفض استخدام المبيدات الكيميائية بنسبة 50% بحلول عام 2030، تجد الصادرات المصرية نفسها أمام ضرورة حتمية لإعادة صياغة منظومة الإنتاج لتتوافق مع معايير “الحدود القصوى للمتبقيات” (MRLs)، والتي أصبحت أكثر صرامة من أي وقت مضى.

أولاً: معضلة متبقيات المبيدات (التحدي الراهن)

تمثل متبقيات المبيدات السبب الرئيس لرفض الشحنات المصرية في الموانئ الأوروبية (نظام الإنذار السريع للغذاء والأعلاف RASFF). وتتمثل المشكلة في ثلاثة أبعاد:

  1. تحديث القوائم: قيام الاتحاد الأوروبي بحظر مواد فعالة كانت مسموحة سابقاً، مما يتطلب استجابة فورية من المزارعين.
  2. تعدد المتبقيات: لم يعد التركيز على مادة واحدة، بل على “تراكم” عدة متبقيات في المنتج الواحد، وهو ما يرفضه المستهلك الأوروبي.
  3. صغار المزارعين: صعوبة الرقابة على المزارع الصغيرة التي تورد للمصدرين، حيث يفتقر البعض للمعرفة الكافية بفترات ما قبل الحصاد (PHI).

ثانياً: خريطة طريق مقترحة للصادرات (2026-2030)

لضمان استدامة النمو التصديري، يجب العمل وفق مسارات متوازية تشكل خريطة طريق وطنية:

المسار الأول: التحول الرقمي والتتبع (Traceability)

  • تكويد المزارع: تعميم نظام التكويد ليشمل كافة المحاصيل التصديرية وليس الموالح والبطاطس فقط، لضمان معرفة مصدر كل حبة فاكهة أو خضار.
  • السجل الرقمي للمبيدات: إنشاء منصة رقمية تربط المزارع بالحجر الزراعي، يسجل فيها المزارع نوع المبيد وتاريخ الرش، ولا يسمح بالحصاد إلا بعد مراجعة تقنية.

المسار الثاني: الإدارة المتكاملة للآفات (IPM)

  • بدائل المبيدات: التوسع في استخدام “المبيدات الحيوية” والأعداء الطبيعيين، ودعم المصانع المحلية التي تنتج هذه البدائل لتقليل الاعتماد على الكيماويات.
  • المكافحة الجماعية: تنفيذ برامج مكافحة على مستوى المناطق الجغرافية (وليس مزارع فردية) لتقليل الضغط الحشري، وبالتالي تقليل الحاجة للرش.

المسار الثالث: الرقابة والتحليل المخبري

  • زيادة سعة المعامل: تطوير المعامل الإقليمية التابعة لمركز بحوث الصحراء ومعهد بحوث وقاية النباتات لتوفير تحاليل دورية وسريعة للمزارعين قبل التصدير.
  • تفتيش المنافذ: تشديد الرقابة على محال بيع المبيدات ومنع تداول المواد المحظورة دولياً، وتفعيل العقوبات على المخالفين.

المسار الرابع: الدبلوماسية التجارية والتعاون الفني

  • التفاوض على الفترات الانتقالية: التنسيق مع المفوضية الأوروبية لمنح المصدرين المصريين مهلة كافية عند حظر مواد جديدة.
  • التوأمة التقنية: الاستفادة من برامج الدعم الفني الأوروبي لتدريب المهندسين الزراعيين المصريين على أحدث طرق الفحص والإنتاج الأخضر.

إن قضية متبقيات المبيدات ليست مجرد عائق فني، بل هي جوهر التنافسية في العصر الأخضر. إن تبني “خريطة طريق” واضحة تعتمد على العلم والرقابة والرقمنة، سيحول الصادرات المصرية من وضعية “الدفاع” (تجنب الرفض) إلى وضعية “الهجوم” (اكتساب حصص سوقية أكبر كمنتج صديق للبيئة وصحي)، مما يضمن تدفق العملة الصعبة واستدامة القطاع الزراعي كركيزة للأمن القومي الاقتصادي المصري.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى