زراعة

د طارق عبدالعليم يكتب: آفاق التجارة الزراعية في أفريقيا والشرق الأوسط 2026 واستراتيجيات التحول نحو السيادة الغذائية المستدامة

باحث – المعمل المركزي للمبيدات – مركز البحوث الزراعية- مصر

في ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها مطلع عام 2026، لم يعد الحديث عن التجارة الزراعية مجرد أرقام اقتصادية، بل أصبح حجر الزاوية للأمن القومي الإقليمي.

يكشف تقرير “حالة التجارة في السلع الزراعية” الصادر عن منظمة CropLife Africa Middle East عن مشهد استراتيجي معقد يجمع بين طموحات كبرى وعوائق هيكلية تتطلب رؤية تقنية موحدة.

أولاً: فجوة الاعتماد وفرص النمو “الانفجارية”

تشير البيانات الواردة في العرض التقديمي للمنظمة إلى أن قيمة التجارة الزراعية البينية في القارة تبلغ حالياً قرابة 38-40 مليار دولار. ورغم هذا الرقم، لا تزال المنطقة تعاني من خلل هيكلي؛ حيث يتم تصدير 80% من المحاصيل النقدية للخارج، بينما تعتمد القارة على الاستيراد لتأمين معظم احتياجاتها من الحبوب والزيوت.

ومع ذلك، تبرز بارقة أمل تقنية؛ إذ تشير النماذج الاقتصادية لاتفاقية (AfCFTA) إلى إمكانية تحقيق قفزة في تجارة السلع الزراعية المصنعة تصل إلى 574% بحلول عام 2035، شريطة إزالة “الحواجز غير الجمركية” وتوحيد المعايير التنظيمية الفنية.

ثانياً: مواءمة المعايير.. المحرك الحقيقي للتجارة الحرة

يؤكد التقرير أن الجوهر الفني لهذا التحول يكمن في ركيزتين أساسيتين تضمنان انسيابية السلع عبر الحدود دون المساس بمعايير الأمان الحيوي

  1. تدابير الصحة والصحة النباتية (SPS):

تمثل هذه التدابير “خط الدفاع الأول” لحماية الثروة النباتية من الآفات العابرة للحدود. إن اختلاف هذه القواعد بين دول القارة يؤدي إلى تعطل الشحنات وتلفها. لذا، فإن المواءمة (Harmonization) مع المعايير الدولية مثل (IPPC) هي السبيل الوحيد لخلق “مسارات خضراء” تضمن تدفق السلع دون الإخلال بالأمن الحيوي للدول.

  1. الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs):

هذا هو المعيار الأكثر دقة؛ حيث يحدد أعلى تركيز مسموح به لبقايا المبيد لضمان سلامة المستهلك. التقرير يوضح أن تباين حدود الـ MRLs بين الدول الأفريقية (بين كودكس ومعايير وطنية) يمثل عائقاً فنياً يؤدي لرفض الشحنات حتى لو كانت آمنة. إن توحيد هذه الحدود بناءً على “الممارسات الزراعية الجيدة” (GAP) سيسهم في سد فجوة الإنتاجية التي تصل حالياً إلى 300%.

ثالثاً: معضلة اللوجستيات ونزيف “الفاقد

لا تزال التكاليف اللوجستية تمثل عائقاً كبيراً، حيث تزيد تكاليف النقل في أفريقيا بنسبة 60% عن المتوسط العالمي. والأكثر تأثيراً هو رقم “الفاقد ما بعد الحصاد” الذي يلتهم 37% من الإنتاج بسبب ضعف سلاسل التبريد، وهو ما يمثل ضياعاً هائلاً لموارد الاستدامة من مياه ومدخلات زراعية تم استهلاكها دون عائد حقيقي.

رابعاً: مصر.. القاطرة اللوجستية والريادة المعيارية

تبرز جمهورية مصر العربية كلاعب استراتيجي ومحفز للنمو عبر ثلاث ركائز أساسية:

  • المركز اللوجستي (Hub): بفضل تطوير الموانئ، تعمل مصر كبوابة طبيعية لربط المنتجين الأفارقة بالأسواق العالمية.
  • المرجعية الفنية: امتلاك مصر لمعامل مرجعية قوية (مثل CAPL) يؤهلها لقيادة مبادرات توحيد معايير الـ MRLs والـ SPS في القارة.
  • الابتكار الرقمي: التوسع المصري في “الزراعة الذكية مناخياً” يتماشى مع مستهدفات التقرير لخفض البصمة الكربونية وتحسين كفاءة الموارد بنسبة 25%.

خامساً: الطريق نحو 2050

يتوقع التقرير تضاعف الطلب السكاني على الغذاء بحلول منتصف القرن. ولتحقيق هذه القفزة، يجب تبني خارطة طريق ترتكز على:

  • الرقمنة: ربط صغار المزارعين بمنصات التجارة والبيانات المناخية.
  • الاستدامة: تعزيز تقنيات “الإدارة المتكاملة للآفات” (IPM) لضمان جودة المحاصيل التصديرية وبقاء المتبقيات ضمن الحدود المسموحة.
  • الاستثمار البيني: تحويل الاستثمارات نحو “التصنيع الزراعي المحلي” لضمان بقاء القيمة المضافة داخل المنطقة.

الخلاصة

تقرير CropLife AME لعام 2026 هو دعوة صريحة للانتقال من “الإنتاج من أجل الاستهلاك” إلى “الإنتاج من أجل التجارة المستدامة”. نحن في مصر، ومن خلال خبراتنا التقنية في مجال المبيدات والاستدامة، ملتزمون بدعم هذا التحول لضمان مستقبل آمن غذائياً ومزدهر اقتصادياً لأجيالنا القادمة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى