بحوث ومنظماتبيطريتقاريرحوارات و مقالات

د مي حامد تكتب: قراءة استراتيجية في توجهات الدولة لدعم الأمن الغذائي وصناعة الدواجن

الأستاذ في كلية الطب البيطري – جامعة القاهرة ومدير مكتب ريادة الأعمال البيطرية بالكلية – جامعة القاهرة -مصر
عندما نحاول تحليل رؤية الدولة المصرية من خلال قراءة استراتيجية في توجهات دعم الأمن الغذائي والصناعة ، حيث إنه في كل مرة تتحدث فيها الدولة عن “الأمن الغذائي”، يتعامل البعض مع المصطلح باعتباره شعارًا سياسيًا أو ملفًا تقليديًا.
لكن الحقيقة أن ما يحدث الآن هو إعادة تعريف كاملة لدور الصناعة الزراعية والبيطرية في مصر.
التوجيهات الأخيرة الصادرة عن فخامه الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يمكن قراءتها كقرارات منفصلة، بل كجزء من بناء منظومة اقتصادية جديدة تقوم على ثلاثة أعمدة وهي: الأمن الغذائي، تنظيم السوق، وإعادة توزيع الأدوار داخل الصناعة.
أولًا: الأمن الغذائي لم يعد رفاهية
لم يعد الهدف هو “توفير المنتج” فقط، بل تأمين استدامة الإنتاج وهنا تتحول صناعة الدواجن من نشاط تجاري تقليدي إلى قطاع سيادي، له تأثير مباشر على:
•استقرار الأسعار
•الأمن الاجتماعي
•وتقليل الاعتماد على الاستيراد
بمعنى أوضح:
الدولة لم تعد ترى المزرعة كوحدة إنتاج… بل كوحدة أمن قومي مصغر، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الغذاء، حيث تبرز صناعة الدواجن في مصر كأحد أهم ركائز تحقيق الأمن الغذائي، لما توفره من بروتين حيواني سريع الإنتاج وأقل تكلفة مقارنة بالبدائل الأخرى.

تشهد صناعة الدواجن في مصر تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت من أكبر القطاعات الإنتاجية الزراعية، وتوفر ملايين فرص العمل، سواء بشكل مباشر داخل المزارع أو غير مباشر عبر الصناعات المرتبطة مثل الأعلاف والنقل والتوزيع.

لذلك فإن الدواجن تمثل الخيار الأكثر قدرة على سد الفجوة الغذائية، نظرًا لقصر دورة الإنتاج التي لا تتجاوز 45 يومًا، ما يمنح السوق مرونة في مواجهة أي نقص مفاجئ في المعروض، خاصة في أوقات الأزمات.

ثانيًا: البورصة السلعية… نهاية السوق العشوائي
تفعيل البورصة السلعية ليس مجرد أداة تنظيمية، بل هو نقطة فاصلة في تاريخ السوق.
لأول مرة، يتم الدفع نحو:
•تسعير عادل وشفاف
•تقليل التلاعب
•ربط الإنتاج بالطلب الحقيقي
لكن هذا التحول له جانب آخر:
السوق لن يتسع للجميع بنفس الشكل القديم، لأن العشوائية كانت تحمي البعض… أما التنظيم فسيكشف الجميع وسيكون عندها البقاء للأفضل.
ثالثًا: صغار المنتجين… من الهامش إلى قلب المعادلة
أحد أهم الإشارات في التوجه الحالي هو الحديث الواضح عن دعم صغار المزارعين،لكن الدعم هنا لا يجب فهمه كـ “حماية”… بل كـ إعادة دمج في منظومة أكبر.
وهذا يفرض واقعًا جديدًا:
•المربي الصغير لن يستمر بنفس أدواته القديمة
•ولن ينجو بدون تطوير حقيقي في الإدارة والإنتاج
•وسيحتاج لشركاء يقدمون له “حلول” وليس مجرد منتجات
رابعًا: أين تقف شركات الصحة الحيوانية؟
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية، وهي أن كثير من الشركات ما زالت تتعامل مع السوق بمنطق: “منتج جيد + دعاية = مبيعات”، لكن في ظل التحول الحالي، هذا النموذج يقترب من نهايته.
الأهم أن السوق الجديد يحتاج إلى 4 عناصر حيوية وهي:
•تبسيط العلم ليصبح قابلًا للتطبيق
•ربط المنتج بنتيجة اقتصادية واضحة
•دعم فني حقيقي على الأرض
•وفهم عميق لاحتياجات المربي، خاصة الصغير
بمعنى أدق:
الشركات لم تعد تبيع “أحماض أو إضافات”…بل تبيع قدرة المربي على البقاء في السوق.
خلاصة الكلام
الدولة تتحرك بسرعة…لكن السؤال الحقيقي هو هل الصناعة تتحرك بنفس الوعي؟
ببساطة نستطيع ان نؤكد أن المرحلة القادمة لن تكون للأقوى إنتاجًا فقط، وليست للأكثر انتشارًا، بل للأكثر فهمًا للتحول.
لماذا؟
لأن السوق لم يعد يكافئ “من يبيع”…بل يكافئ من يبني منظومة حول العميل حيث تبقى صناعة الدواجن في مصر أحد أهم مفاتيح الأمن الغذائي، حيث إن دعمها وتطويرها لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الأسعار وتوفير غذاء آمن ومستدام للمواطنين في ظل عالم يشهد تقلبات متسارعة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى