د هاني هنداوي: البيض المبستر منتج غذائي أكثر أماناً وأداة اقتصادية لإستقرار السوق

مدير مصنع مدير مصنع الشركة المصرية لمنتجات البيض المبستر «إيبيك»- مدينة السادات – مصر
يشهد سوق بيض المائدة في مصر حالة متكررة من التذبذب الحاد في الأسعار، حيث ترتفع الأسعار بصورة كبيرة في بعض الفترات ثم تنخفض بصورة تؤدي إلى خسائر للمربين والمنتجين في فترات أخرى.
ورغم ضخامة الإنتاج المحلي، فإن الأزمة لا تبدو مرتبطة فقط بحجم المعروض، بل بغياب منظومة صناعية مرنة قادرة على امتصاص الفائض وتنظيم السوق وتحويل المنتج سريع التلف إلى قيمة اقتصادية أكثر استقراراً.
وفي هذا السياق، يبرز البيض المبستر ليس فقط كمنتج غذائي أكثر أماناً، وإنما كأداة اقتصادية وصناعية يمكن أن تساهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار لسوق بيض المائدة في مصر.
سوق ضخم… لكن سريع التأثر
تنتج مصر مئات الآلاف من أطباق البيض يومياً من خلال آلاف المزارع المنتشرة بمختلف المحافظات، وهو ما يجعل القطاع أحد أهم قطاعات الأمن الغذائي والبروتين منخفض التكلفة للمواطن المصري.
لكن هذا السوق يواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في أن بيض المائدة منتج قصير الصلاحية، إذ لا تتجاوز فترة صلاحيته نحو 21 يوماً تحت ظروف تبريد مناسبة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف أو انخفاض معدلات الاستهلاك، تبدأ المشكلات التقليدية في الظهور:
- زيادة الفاقد
- تراجع الجودة
- انخفاض الأسعار بصورة حادة
- خسائر للمربين
- ثم عودة نقص المعروض لاحقاً وارتفاع الأسعار مجدداً
هذه الدورات المتكررة تشير إلى أن المشكلة ليست فقط في “الإنتاج”، بل في غياب آلية فعالة لإدارة الفائض وتنظيم التدفقات داخل السوق.
لماذا تتذبذب أسعار البيض بهذه الصورة؟
يعتمد كثير من منتجي البيض على قرارات إنتاج مرتبطة مباشرة بحركة الأسعار اليومية.
فعندما ترتفع الأسعار يتوسع المنتجون في التربية والإنتاج، ثم يؤدي تزايد المعروض لاحقاً إلى انخفاض الأسعار بصورة كبيرة، ما يدفع بعض المربين إلى تقليل الإنتاج أو الخروج المؤقت من السوق.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب الطبيعة السريعة التلف للبيض الخام، إذ لا يستطيع المنتج تخزينه لفترات طويلة انتظاراً لتحسن الأسعار.
أهمية الصناعات التحويلية في قطاع التصنيع الغذائي
في الاقتصادات الزراعية والصناعات الغذائية المتقدمة، لا يتم الاعتماد فقط على بيع المنتج الخام، بل يتم تحويل جزء من الفائض إلى منتجات ذات صلاحية أطول وقيمة مضافة أعلى.
فالبيض المبستر هو منتج يتم معاملته حرارياً بطريقة تقضي على مسببات الأمراض مع الحفاظ على خواصه الوظيفية والغذائية، كما يمكن حفظه مبرداً أو مجمداً لفترات طويلة قد تصل إلى 12 شهراً.
ماذا تعني آليات تداول البيض المبستر من الناحية العملية؟
- إمكانية امتصاص الفائض الموسمي
- تقليل الفاقد
- إنشاء مخزون غذائي آمن
- تحقيق استقرار أكبر في السوق
- مصر تمتلك بالفعل البنية الصناعية
تمتلك مصر عدداً من مصانع إنتاج البيض المبستر المزودة بتكنولوجيا حديثة وطاقة إنتاجية كبيرة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الطاقات لا يعمل بكامل كفاءته حتى الآن.
الميزة النسبية لمصر في مجال إنتاج البيض المبستر
ويعني ذلك أن الدولة لا تحتاج للبدء من الصفر، بل تمتلك بالفعل:
- مصانع قائمة
- خبرات فنية
- قدرات تشغيلية
- سوقاً غذائية ضخمة يمكنها استيعاب المنتج
الأثر الاقتصادي المتوقع لتطوير هذه المنظومة
إذا تم تطوير هذه المنظومة بصورة تدريجية ومدروسة، فقد ينعكس ذلك على السوق بعدة صور إيجابية، منها:
- استقرار الأسعار ووجود مشترٍ صناعي دائم للفائض يساعد في تقليل الانهيارات السعرية الموسمية.
- تقليل الفاقد بدلاً من خسارة جزء من الإنتاج بسبب انتهاء الصلاحية، يتم تحويله إلى منتج أطول عمراً.
- تشجيع التوسع في الإنتاج واستقرار السوق يشجع المربين على زيادة الإنتاج بثقة أكبر.
- زيادة القيمة المضافة وتحويل البيض الخام إلى منتجات صناعية وغذائية ذات قيمة أعلى.
- دعم فرص التصدير وخاصة مع تنامي الطلب العالمي على المنتجات الغذائية الآمنة والمجهزة.
البعد الصحي وسلامة الغذاء
تشير العديد من التقارير الدولية إلى أن البيض الخام ومنتجاته غير المعاملة حرارياً تمثل أحد المصادر الرئيسية لانتقال السالمونيلا وبعض الأمراض المنقولة بالغذاء.
ومن هنا فإن التوسع في استخدام البيض المبستر داخل الصناعات الغذائية قد يساهم في:
- رفع مستوى سلامة الغذاء
- تقليل مخاطر التلوث
- تحسين جودة المنتجات النهائية
- تقليل احتمالات الرفض أو السحب من الأسواق
رؤية مستقبلية
إن استقرار سوق بيض المائدة في مصر لن يتحقق فقط عبر التدخلات المؤقتة أو ضبط الأسعار بصورة مباشرة، بل يحتاج إلى بناء منظومة اقتصادية وصناعية قادرة على:
- امتصاص الفائض
- تقليل الهدر
- تحويل الإنتاج إلى قيمة مضافة مستدامة
وفي هذا الإطار، قد يمثل التوسع المدروس في استخدام البيض المبستر خطوة مهمة نحو:
- سوق أكثر استقراراً
- صناعة غذائية أكثر أماناً
- استغلال أفضل لموارد الإنتاج الغذائي في مصر
فالهدف في النهاية ليس استبدال بيض المائدة، وإنما بناء سوق أكثر توازناً وقدرة على الاستمرار، بما يخدم المنتج والمستهلك والاقتصاد الوطني ككل.





