بحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالاتخدماتيزراعة

د شيرين المراسي تكتب: الاستيفيا…. المستقبل الإستراتيجي للمُحلي الأخضر

معهد بحوث المحاصيل السكريه مركز البحوث الزراعية بالجيزة
العشبة التي أعادت تشكيل مفهوم الحلاوة حيث تمثل الاستيفيا (*Stevia rebaudiana*) نقلة نوعية في الزراعة والصناعات الغذائية العالمية. لم تعد مجرد مُحلي طبيعي، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً يجمع بين الاستدامة البيئية، الكفاءة الاقتصادية، والأمان الصحي، مما يضعها على رأس أولويات الدول الطامحة لتحقيق الأمن الغذائي.
1. المنشأ والموطن الأصلي
تعود جذور الاستيفيا إلى المرتفعات الشمالية في باراغواي والبرازيل. استُخدمت لقرون من قِبل قبائل “الغواراني” الذين أطلقوا عليها “العشبة الحلوة”. لم يكتشفها العالم الغربي علمياً إلا في نهاية القرن التاسع عشر، لتتحول لاحقاً إلى محصول استراتيجي بفرص تصديرية هائلة لأوروبا وأمريكا وشرق آسيا، مما يدعم الصناعات الغذائية والدوائية العالمية ويساهم في خفض فاتورة استيراد الـ مُحليات.
2. المنظومة الزراعية والإنتاجية
طرق الزراعة: نظراً لضعف إنبات البذور، فإن الطريقة المثلى هي زراعة الأنسجة أو العقل الساقية لضمان إنتاج شتلات عالية الجودة ومطابقة للأم وراثياً وفنياً.
أفضل الأراضي: تجود في الأراضي الرملية الطميية جيدة الصرف وذات التهوية الجيدة (pH 6.5 – 7.5).
إنتاجية الفدان: ينتج الفدان في السنة حوالي 1 إلى 1.5 طن من الأوراق الجافة، وتتحسن الجودة والإنتاجية بتطبيق نظم الري والتسميد الحديثة المتوازنة.
التكلفة: تتراوح التكلفة التأسيسية للفدان ما بين 60,000 إلى 80,000 جنيه مصري، وبما أنه نبات مُعمر (5-7 سنوات)، فإن الجدوى الاقتصادية تزداد سنوياً بانخفاض التكاليف التشغيلية.
3. أهم الصناعات المرتبطة بالاستيفيا
تفتح الاستيفيا آفاقاً صناعية واسعة بكونها أفضل مُحلي طبيعي، وتشمل:
المشروبات: إنتاج مشروبات منخفضة السعرات الحرارية والعصائر الطبيعية.
المنتجات المتخصصة: تصنيع منتجات خاصة بـ مرضى السكر والحلويات الصحية والآيس كريم.
القطاع الطبي: المكملات الغذائية، والأدوية، ومنتجات الدايت والتخسيس.
4. الاستخدامات الطبية والغذائية (الطب الوظيفي)
تشهد الاستيفيا توسعاً كبيراً في التطبيقات الطبية المتقدمة نظراً لخصائصها الفريدة:
مرضى السكر: بصفته مُحلياً ذو مؤشر جلايسيمي (GI) يساوي صفر، فإنه يعد الخيار الأول والآمن تماماً لـ مرضى السكر كونه لا يسبب أي ارتفاع في مستويات الجلوكوز، بل تشير الأبحاث إلى دور مركباته في تحسين وظائف خلايا بيتا في البنكرياس.
صحة القلب والأوعية: تعمل جليكوسيدات الستيفيول كموسع طبيعي للأوعية الدموية، مما يساعد بفعالية في خفض ضغط الدم المرتفع وحماية الشرايين.
مضاد للالتهابات والأكسدة: تحتوي الأوراق على مركبات فينولية تعمل كمضادات قوية للأكسدة، مما يعزز الجهاز المناعي ويحمي الخلايا من التلف.
الثبات الصناعي: تبرز أهميته في التصنيع الغذائي لثباته الحراري العالي حتى درجة حرارة 100°C، مما يجعله الـ مُحلي القادر على الحفاظ على خصائصه الطبية والتحلية في العديد من المشروبات والعمليات التصنيعية التي تتطلب حرارة معتدلة دون فقدان جودته.
5. مواجهة تحديات زراعة الاستيفيا في مصر
لتعظيم الاستفادة من هذا المحصول، يجب تفعيل المحاور التالية:
البنية التحتية الصناعية: إنشاء مصانع متطورة لاستخلاص مادة الستيفيوسيد والريباديوسيد محلياً لرفع القيمة المضافة بدلاً من تصدير الأوراق خام.
الدعم التقني: دعم البحث العلمي والإرشاد الزراعي لتوعية المزارعين بأفضل الممارسات للوصول لأعلى جودة للمادة الفعالة.
السياسات الزراعية: التوسع في الزراعة التعاقدية لضمان حقوق المزارعين والمصنعين، وتحسين نظم الري بالتنقيط.
التسويق والوعي: فتح أسواق تصديرية جديدة ونشر الوعي المجتمعي بفوائد الـ مُحليات الطبيعية كبديل صحي آمن.
6. أهمية القيمة المضافة والاستفادة من النواتج الثانوية
تكمن القيمة الاقتصادية القصوى للاستيفيا في “التصنيع المتكامل” الذي يعظم القيمة المضافة:
الاستخلاص التجاري: تحويل الأوراق إلى مسحوق نقي (Extract) يرفع سعر المنتج بمئات الأضعاف، مما يخلق صناعة تحويلية قوية توفر فرص عمل وتجذب الاستثمارات.
الاقتصاد الدائري: لا توجد مخلفات في زراعة الاستيفيا؛ فالأوراق بعد استخلاص المادة المحلية (التفل) تظل غنية بالبروتين (16-18%) والألياف، مما يجعلها مدخلاً ممتازاً لصناعة أعلاف حيوانية غير تقليدية وعالية القيمة الغذائية.
الأسمدة العضوية: يمكن استغلال نواتج التقليم والمخلفات الخضراء في إنتاج “كومبوست” غني بالعناصر الصغرى، مما يدعم الزراعة العضوية.
7. الرؤية الاستراتيجية: الاستيفيا كمحرك للتنمية
إن التوسع في زراعة الاستيفيا يحولها إلى محصول استراتيجي يدعم:
الأمن الغذائي والصحي: توفير مُحلي صحي يقلل من تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بأمراض السمنة والـ مُحليات الصناعية.
الاقتصاد الأخضر: تعزيز التنمية الزراعية المستدامة وترشيد استهلاك المياه والموارد الطبيعية.
الصادرات الزراعية: تعظيم موارد الدولة من العملة الصعبة عبر التحول من تصدير المادة الخام إلى تصدير المستخلصات الصناعية عالية النقاوة.
الخلاصة: إن الاستثمار في الاستيفيا هو استثمار في المستقبل؛ حيث تلتقي كفاءة المختبر بإنتاجية الحقل لتصنيع مُحلي يدعم الاقتصاد الوطني ويحقق التنمية المستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى