د إبراهيم الأخضر يكتب: الكمبوست.. من مخلفات زراعية إلى سماد عالي القيمة

أستاذ الميكروبيولوجي- معهد بحوث الأرضي والمياه والبيئة- مركز البحوث الزراعية- مصر
لم يعد الكمبوست مجرد وسيلة للتخلص من المخلفات الزراعية، بل أصبح منتجًا زراعيًا له مواصفات فنية ومعايير جودة تحدد مدى كفاءته في خدمة المحصول. وخلال السنوات الأخيرة توسع استخدام الكمبوست في المزارع التجارية ومشروعات الإنتاج الزراعي، ليس فقط بسبب سهولة إنتاجه، ولكن أيضًا نتيجة قدرته على تحويل كميات كبيرة من المخلفات النباتية والحيوانية إلى مورد يمكن الاستفادة منه داخل المنظومة الزراعية. ورغم انتشار استخدام الكمبوست، فإن الفارق بين الكمبوست الجيد والكمبوست منخفض الجودة قد يكون كبيرًا في النتائج التي يحققها داخل الحقل، وهو ما يجعل فهم أسس إنتاجه واستخدامه أمرًا ضروريًا للمزارعين.
كيف يتحول المخلف الزراعي إلى كمبوست؟
تعتمد صناعة الكمبوست على عملية تحلل حيوي تقوم بها كائنات دقيقة متخصصة تتغذى على المخلفات العضوية وتحولها تدريجيًا إلى مادة مستقرة. وتبدأ العملية عادة بخلط مواد غنية بالكربون مثل قش الأرز والتبن ونشارة الخشب مع مواد غنية بالنيتروجين مثل روث الحيوانات أو المخلفات الخضراء.
ويُعد تحقيق التوازن بين هذين المكونين من أهم عوامل نجاح عملية الكمر. وتشير أدلة منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن النسبة المثالية للكربون إلى النيتروجين عند بداية عملية الكمر تتراوح غالبًا بين 25:1 و35:1، حيث تساعد هذه النسبة على تحقيق نشاط ميكروبي فعال وتسريع عملية التحلل.
وخلال فترة التحلل ترتفع درجة حرارة الكومة تلقائيًا نتيجة النشاط الحيوي للكائنات الدقيقة، وقد تصل في بعض المراحل إلى أكثر من 55 درجة مئوية، وهي درجة حرارة تساعد على خفض أعداد العديد من مسببات الأمراض وبذور الحشائش.
كيف نعرف أن الكمبوست أصبح جاهزًا للاستخدام؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا استخدام الكمبوست قبل اكتمال نضجه. ويؤكد المتخصصون أن الكمبوست الناضج يتميز بعدة صفات، منها:
- اللون البني الداكن أو الأسود.
- تجانس القوام وصعوبة تمييز المكونات الأصلية.
- اختفاء الروائح النفاذة.
- استقرار درجة الحرارة واقترابها من درجة حرارة الجو المحيط.
- انخفاض نسبة الكربون إلى النيتروجين مقارنة ببداية عملية الكمر.
كما تستخدم بعض المعامل الزراعية مؤشرات فنية مثل اختبار الإنبات وقياس الملوحة والرقم الهيدروجيني للتأكد من صلاحية المنتج قبل استخدامه.
جودة الكمبوست لا تعتمد على الشكل فقط
قد تبدو بعض أنواع الكمبوست متشابهة ظاهريًا، إلا أن قيمتها الزراعية تختلف تبعًا لنوعية المواد الخام المستخدمة وطريقة التصنيع وفترة التحلل.
وتشير الدراسات المنشورة إلى أن المحتوى الغذائي للكمبوست قد يختلف بصورة كبيرة من منتج إلى آخر، لذلك ينصح دائمًا بالاعتماد على منتجات موثقة أو إجراء تحليل دوري عند استخدام كميات كبيرة في المزارع التجارية. كما أن ارتفاع نسبة الأملاح أو وجود معادن ثقيلة أو شوائب غير متحللة قد يؤثر سلبًا على أداء المنتج داخل التربة، وهو ما يبرز أهمية الرقابة على جودة المواد المستخدمة في التصنيع.
أخطاء شائعة تقلل كفاءة الكمبوست:
رغم سهولة إنتاج الكمبوست نسبيًا، فإن بعض الممارسات الخاطئة قد تقلل من جودته أو تؤخر عملية التحلل.
ومن أبرز هذه الأخطاء:
- زيادة الرطوبة بشكل مفرط داخل الكومة، مما يؤدي إلى نقص التهوية وظهور الروائح الكريهة.
- انخفاض الرطوبة بصورة كبيرة، وهو ما يبطئ نشاط الكائنات الدقيقة.
- عدم تقليب الأكوام بصورة دورية.
- استخدام مخلفات مصابة بأمراض نباتية دون الوصول إلى درجات حرارة كافية أثناء الكمر.
- إضافة الكمبوست غير الناضج مباشرة إلى التربة.
- تخزين المنتج النهائي في أماكن مكشوفة لفترات طويلة مما يعرضه لفقد جزء من جودته.
ماذا تقول الدراسات؟
تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والوكالة الأمريكية لحماية البيئة (EPA) إلى أن الكمر السليم يعد من أكثر الطرق كفاءة لإدارة المخلفات العضوية الزراعية وتحويلها إلى منتجات قابلة للاستخدام الزراعي.
كما أكدت العديد من الدراسات المنشورة في دوريات علمية متخصصة أن جودة الكمبوست ترتبط بشكل مباشر بمدى الالتزام بالمعايير الفنية أثناء التصنيع، وأن المنتجات جيدة التحلل تحقق أداءً أفضل مقارنة بالمنتجات غير المكتملة النضج.
وتجمع الأدبيات العلمية الحديثة على أن نجاح استخدام الكمبوست يبدأ من جودة التصنيع قبل أي شيء آخر، فليست كل المنتجات المتداولة في الأسواق تحمل الكفاءة نفسها أو تحقق النتائج ذاتها
الخاتمة
الكمبوست ليس مجرد مخلفات متحللة، بل منتج زراعي يحتاج إلى إدارة دقيقة منذ مرحلة التصنيع وحتى الاستخدام داخل الحقل. وكلما التزم المنتج أو المزارع بالمعايير الفنية الصحيحة، زادت فرص الحصول على كمبوست عالي الجودة قادر على أداء دوره بكفاءة. لذلك فإن نجاح تجربة استخدام الكمبوست لا يبدأ عند إضافته للتربة، بل يبدأ منذ اختيار المواد الخام وطريقة الكمر ومتابعة مراحل التحلل حتى الوصول إلى منتج ناضج ومستقر.



