م ياسين حمدي يكتب : هل الزيوت النباتية تسبب السمنة وأمراض القلب؟ الحقيقة الكاملة بعيدًا عن الشائعات

في إحدى الفعاليات العلمية التي نظمتها الجمعية العلمية للصناعات الغذائية بكلية الزراعة – جامعة الإسكندرية، وبحضور نخبة من الأساتذة والباحثين والمتخصصين في علوم الأغذية، دار نقاش ثري حول التغذية الحديثة والعادات الغذائية الشائعة. وخلال اللقاء، الذي شهد أيضًا تكريم الطلاب المتميزين في البحث العلمي والابتكار، طرحت إحدى الطالبات سؤالًا أثار اهتمام الحضور جميعًا:
*هل يمكن الاستغناء عن الزيوت تمامًا في الطهي؟ لأنها تسبب زيادة الوزن والكثير من الأمراض.*
كان السؤال انعكاسًا لما يتردد كثيرًا في وسائل التواصل الاجتماعي وبين الناس من معلومات غير دقيقة حول الزيوت والدهون. وهنا كان لا بد من التوقف لتوضيح بعض الحقائق العلمية وتصحيح عدد من المفاهيم الشائعة التي أصبحت تُتداول وكأنها حقائق ثابتة.
*الدهون ليست العدو*
عندما يسمع البعض كلمة “دهون” يتبادر إلى الذهن مباشرة السمنة وأمراض القلب، بينما الحقيقة العلمية أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالدهون تُعد أحد العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم يوميًا للقيام بالعديد من الوظائف الحيوية، فهي تدخل في بناء الأغشية الخلوية والخلايا العصبية، وتشارك في إنتاج الهرمونات، كما تمثل مصدرًا مهمًا للطاقة وتساعد على امتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل فيتامينات A وD وE وK.
لذلك فإن المشكلة لا تكمن في تناول الدهون نفسها، بل في نوع الدهون وكمياتها وطريقة استهلاكها.
*هل جميع الدهون الموجودة في الزيوت ضارة؟*
يعتبر هذا من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا.
فالزيوت تحتوي على أنواع متعددة من الأحماض الدهنية، ولكل نوع تأثير مختلف على الصحة. فهناك الدهون المشبعة، والدهون غير المشبعة، والدهون المتحولة.
وتُعد الدهون المتحولة الأكثر خطورة لارتباطها بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين. كما أن الإفراط في تناول الدهون المشبعة قد يؤثر سلبًا في صحة القلب عند استهلاكها بكميات كبيرة.
في المقابل، تحتوي زيوت مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا وزيت الأفوكادو على نسب مرتفعة من الأحماض الدهنية غير المشبعة التي تساهم في دعم صحة القلب وتحسين مستويات الدهون في الدم عند استخدامها ضمن نظام غذائي متوازن.
ومن المثير للاهتمام أن بعض أنواع الدهون، مثل الدهون الثلاثية متوسطة السلسلة الكربونية (MCT)، تستخدم كمكملات غذائية وتحظى باهتمام متزايد في برامج إدارة الوزن والطاقة.
*هل يفقد زيت الزيتون فوائده عند الطهي؟*
من المعتقدات المنتشرة أن زيت الزيتون يجب أن يُستخدم فقط في السلطات، وأن تسخينه يؤدي إلى فقدان جميع فوائده الصحية.
والحقيقة أن زيت الزيتون يتمتع بدرجة جيدة من الثبات الحراري مقارنة بما يعتقده كثير من الناس. صحيح أن التسخين قد يقلل من جزء من مضادات الأكسدة الموجودة فيه، إلا أنه يحتفظ بجزء كبير من مكوناته المفيدة وخصائصه الغذائية عند الاستخدام في الطهي بدرجات حرارة معتدلة.
لذلك يمكن استخدام زيت الزيتون في العديد من تطبيقات الطهي اليومية دون القلق من فقدان قيمته الغذائية بالكامل، ويبقى العامل الرئيسي الذي يحد من استخدامه في القلي لدى كثير من الأسر هو ارتفاع تكلفته مقارنة ببعض الزيوت الأخرى.
*هل الزيوت النباتية صحية دائمًا؟*
يعتقد البعض أن أي منتج يحمل اسم “زيت نباتي” هو بالضرورة خيار صحي مثالي، لكن الواقع أكثر دقة.
فالزيوت النباتية قد تكون زيتًا واحدًا مثل زيت الذرة أو زيت فول الصويا، وقد تكون خليطًا من عدة زيوت. كما أن خصائصها الغذائية تختلف باختلاف نوع الزيت وطريقة إنتاجه وتكريره.
وتحتوي بعض الزيوت النباتية على نسب مرتفعة من أحماض أوميجا 6 الدهنية، وهي أحماض يحتاجها الجسم بالفعل للقيام بوظائف متعددة. إلا أن المبالغة في استهلاكها دون تحقيق توازن مع أحماض أوميجا 3 الموجودة في الأسماك وبذور الكتان والجوز قد لا يكون الخيار الغذائي الأمثل.
لذلك فإن التنوع والتوازن هما الأساس عند اختيار مصادر الدهون الغذائية.
*هل يجب إلغاء الزيوت من النظام الغذائي لإنقاص الوزن؟*
من أكثر الأخطاء شيوعًا ربط خسارة الوزن بإلغاء الزيوت بالكامل من الطعام.
صحيح أن الزيوت غنية بالسعرات الحرارية، لكنها في الوقت نفسه تمنح الشعور بالشبع وتلعب دورًا مهمًا في امتصاص العناصر الغذائية وتنظيم العديد من العمليات الحيوية داخل الجسم.
وقد أثبتت العديد من التجارب الغذائية أن الأنظمة الغذائية المتوازنة التي تحتوي على دهون صحية، مثل النظام الغذائي المتوسطي، يمكن أن تكون فعالة في دعم فقدان الوزن وتحسين صحة القلب في الوقت ذاته.
لذلك فإن الحل لا يكمن في الحرمان، بل في الاعتدال واختيار أنواع الزيوت المناسبة.
*هل يمكن إعادة استخدام زيت القلي مرات متعددة؟*
هذه من الممارسات الشائعة التي تستحق التوقف عندها.
فعند تعرض الزيت لدرجات الحرارة العالية بشكل متكرر، تبدأ مكوناته في التحلل وتتكون بعض المركبات غير المرغوبة التي تؤثر في جودة الزيت وقيمته الغذائية.
كما أن تكرار استخدام الزيت يؤدي إلى زيادة نواتج الأكسدة والتحلل الحراري، وهو ما يجعل الزيت أقل جودة وأكثر عرضة للتدهور.
ولذلك يوصي المختصون باستخدام الزيوت المخصصة للقلي وفق ضوابط محددة، مع تجنب تعرضها للاحتراق، وإزالة بقايا الطعام المحترقة من أوعية القلي، والحد من إعادة الاستخدام المتكرر للزيت.
*المعرفة الغذائية تصنع الفرق*
في نهاية اللقاء، اتفق الحضور على أن جزءًا كبيرًا من المشكلات الغذائية لا ينتج عن نقص المعلومات بقدر ما ينتج عن انتشار معلومات غير دقيقة يتم تداولها دون مراجعة علمية.
ولهذا تم تشجيع الطلاب على جمع المعتقدات الغذائية الشائعة والمتداولة بين أفراد المجتمع، ثم دراستها وتحليلها علميًا لتمييز الحقائق من الشائعات، والمساهمة في نشر ثقافة غذائية أكثر وعيًا.
*الخلاصة*
الزيوت النباتية ليست عدوًا للصحة كما يعتقد البعض، كما أنها ليست جميعًا متشابهة في خصائصها وتأثيراتها. فالمعيار الحقيقي يكمن في اختيار النوع المناسب، والاستخدام المعتدل، واتباع نمط غذائي متوازن. وعندما نحكم على الأغذية بالعلم لا بالشائعات، تصبح قراراتنا الغذائية أكثر وعيًا وقدرة على دعم صحتنا على المدى الطويل.
*م/ ياسين حمدي*
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية





