حوارات و مقالات

د هالة أبو يوسف تكتب : الفلاح المصري .. حارس الأرض وشريك التنمية في عصر الزراعة الحديثة

بقلم أ.د. هالة أبو يوسف رئيس لجنة المبيدات في وزارة الزراعة بمناسبة عيد الفلاح

يطل علينا التاسع من سبتمبر من كل عام ليحمل معه ذكرى وطنية غالية على قلب كل مصري، وهي “عيد الفلاح” هذا اليوم الذي يمثل تتويجاً لعطاء متصل عبر آلاف السنين، حيث سطّر المزارع المصري على ضفاف النيل وفي قلب الدلتا والصحراء أعظم قصة في تاريخ الزراعة البشرية..

وبهذه المناسبة السعيدة، يشرفني أن أتقدم بأسمى آيات التهاني إلى معالي السيد الأستاذ/ علاء فاروق – وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، وإلى جميع السادة الزملاء والعاملين بالوزارة وقطاعاتها المختلفة، الذين يواصلون العمل ليل نهار لخدمة هذا القطاع الحيوي. والتهنئة الكبرى والتحية الأجل موصولة لدرة التاج، الفلاح المصري الأصيل، في كل نجع وقرية على امتداد ربوع وطننا الغالي.

إن فلاح مصر الأصيل لم يكن أبداً مجرد عامل يفلح الأرض الطيبة ويضع البذرة ويقوم بالعمليات الزراعية التقليدية منتظراً الحصاد، بل هو في الحقيقة العالم التطبيقي الأول في هذا المجال. إن الزراعة في جوهرها هي تفاعل بالغ التعقيد، تبدأ من فهم طبيعة التربة، مروراً بالعمليات الفسيولوجية لاحتياجات النبات، وصولاً إلى التفاعل مع تقلبات الطقس، والفلاح المصري بحدسه الموروث وخبراته المتراكمة عبر الأجيال، يطبق يومياً أعقد نظريات التوازن البيئي؛ فهو يدرك بالفطرة متى وكيف يروي، وكيف يحافظ على خصوبة أرضه، مما يجعله شريكاً أساسياً وحيوياً في الحفاظ على التنوع البيولوجي وتأمين الغذاء.

وفي عصرنا الحالي، تواجه الزراعة تحديات عالمية كبرى، على رأسها التغيرات المناخية وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة وتذبذب في معدلات الأمطار، بالإضافة إلى ندرة الموارد المائية والزيادة السكانية المطّردة بالإضافة إلى الآفات الوافدة. هنا تبرز الأهمية القصوى للدمج بين البحث العلمي والممارسة الحقلية.

لقد أثبت الفلاح المصري قدرة فائقة ومدهشة على استيعاب وتطبيق مخرجات البحث العلمي متجاوباً مع توجهات الدولة نحو الزراعة الذكية مناخياً، نراه اليوم يتبنى نظم الري الحديث لترشيد استهلاك المياه، ويستخدم الأصناف النباتية الجديدة التي يستنبطها علماؤنا لتكون أكثر مقاومة للأمراض والإجهاد البيئي، ويطبق ممارسات المكافحة الحيوية وترشيد استخدام المبيدات، مع الحرص على الاستخدام الأمثل للمبيد، إن هذه الاستجابة الواعية للابتكارات التقنية هي التي تمكّننا كدولة من تعظيم الإنتاجية المحصولية بأقل قدر من المدخلات، وهو ما يُعرف علمياً بالستخدام الأمثل للموارد.

إننا في الحقل الأكاديمي والبحثي ندرك يقيناً أن كل الأبحاث والدراسات والتجارب المعملية التي نجريها في الجامعات والمراكز البحثية لا قيمة فعلية لها ما لم تجد طريقها إلى أرض الواقع، ، والفلاح وحده هو القادر على تحويل النظريات إلى وفرة في المحصول، والتوصيات العلمية والإرشادية إلى أمن غذائي يطمئن به كل بيت في مصر. إن التعاون الوثيق والمستمر بين أجهزة الدولة وقطاع الإرشاد الزراعي من جهة، والفلاح من جهة أخرى، هو حائط الصد المنيع الذي تتحطم عليه أي أزمات غذائية.

لا يمكننا أن نتحدث عن استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة ضمن ” رؤية مصر ۲۰۳۰” دون أن نضع الفلاح في القلب من هذه الرؤية،، فالزراعة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي يُسهم في الناتج القومي، بل أصبحت الركيزة الأساسية الأساسية للأمن القومي بمعناه الشامل. إن كل قطرة عرق تسقط من جبين فلاح مصري تروي الأمل في مستقبل أفضل، وكل شير يزرعه يمثل خط دفاع استراتيجي لاستقرار الوطن وتقدمه.

ختاماً، ونحن نحتفي بهذا اليوم المجيد، نجدد العهد للفلاح المصري بأن نظل في محراب العلم باحثين وداعمين له، نسخر كل طاقاتنا وخبراتنا لتذليل العقبات الفنية أمامه، وتوفير أحدث التقنيات التي تيسر عمله وتضاعف إنتاجه وتحسن من مستوى معيشته.

كل عام ومصرنا الحبيبة بخير وسلام .. .. كل عام وقيادات الزراعة في مصر سند وداعم لكل يد تبذر الحب وتحصد الثمار، كل عام وفلاح مصر حارساً أميناً للأرض وصانعاً ماهراً للحياة من أجل غد أفضل لكل مصري يعيش على أرض هذا الوطن ويشرب من نيله الفياض بالخير دائماَ.

زر الذهاب إلى الأعلى