أ.د. جميل زيدان.. الصحة الواحدة.. من المفهوم العلمي إلى الوعي المجتمعي ومن المؤتمرات..الى استراتيجية وطنية لعصر جديد

هل أصبحت «الصحة الواحدة» مجرد عنوان جديد للمؤتمرات.. أم أنها أصبحت ضرورة وطنية لعصر جديد؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم.
فـ«الصحة الواحدة – One Health» ليست ترندًا انتخابيًا، ولا شعارًا موسميًا يظهر مع اقتراب مؤتمر أو فعالية علمية، وليست مجرد عنوان جذاب تتسابق المؤسسات على وضعه فوق برامجها.
الصحة الواحدة أكبر من ذلك بكثير.
إنها استراتيجية تفرضها طبيعة العالم الجديد؛ عالم لم تعد فيه صحة الإنسان منفصلة عن صحة الحيوان، ولا عن البيئة، ولا عن الغذاء، ولا عن حركة الأمراض والفيروسات ومقاومة مضادات الميكروبات والتغيرات المناخية.
لقد تغيرت طبيعة المخاطر الصحية.
وبالتالي، يجب أن تتغير طريقة إدارتنا لها.
من مفهوم علمي إلى وعي مجتمعي
خلال السنوات الأخيرة، خرج مفهوم «الصحة الواحدة» تدريجيًا من نطاقه الأكاديمي الضيق، ليصبح حاضرًا في النقاشات العلمية والمهنية والمجتمعية.
وفي هذا السياق، أسهمت الجمعية المصرية للصحة الواحدة في التعريف بالمفهوم، وتبسيطه، وفتح مساحات للحوار بين تخصصات وقطاعات مختلفة.
والأهم من ذلك أن الفكرة بدأت تتجاوز حدود التخصص.
فالطبيب البشري، والطبيب البيطري، والعالم، والباحث، والمتخصص في الصحة العامة، والبيئة، والزراعة، والغذاء، ومكافحة العدوى، جميعهم يتعاملون في النهاية مع منظومة واحدة من المخاطر الصحية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للصحة الواحدة:
أن تجعل القطاعات المختلفة ترى المشكلة نفسها من زوايا متعددة، ثم تبحث عن حل مشترك.
وهذا التحول من التخصص المنفصل إلى الرؤية المتكاملة يمثل خطوة مهمة في بناء الوعي الصحي الحديث.
ليست قصة مؤتمرات
من الطبيعي أن يصاحب انتشار أي مفهوم علمي جديد مؤتمرات وندوات وورش عمل ودورات تدريبية.
ولا ينبغي النظر إلى ذلك باعتباره مشكلة في حد ذاته.
بل إن زيادة الاهتمام بمفهوم «One Health» تعكس اتساع دائرة الوعي به.
لكن علينا أن نكون واضحين:
الصحة الواحدة لا تُقاس بعدد المؤتمرات التي تحمل اسمها.
ولا بعدد الصور والفعاليات.
ولا بعدد الجهات التي تضع المصطلح في عناوين برامجها.
فالفعاليات العلمية وسيلة مهمة لبناء المعرفة والتواصل، لكنها ليست الغاية.
والسؤال الأهم ليس:
كم مؤتمرًا عقدنا عن الصحة الواحدة؟
بل:
ماذا تغير بعد هذه المؤتمرات؟
هل تحولت التوصيات إلى برامج؟
هل انتقلت نتائج البحوث إلى دوائر صنع القرار؟
هل أصبحت البيانات الصحية والبيطرية والبيئية أكثر ترابطًا؟
هل أصبح اكتشاف المخاطر أسرع؟
هل أصبح الاستعداد للأوبئة والأمراض الناشئة أكثر كفاءة؟
وهل نجحنا في الانتقال من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى الوقاية والاستباق؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
الألفية الجديدة للصحة الواحدة
نحن أمام مرحلة مختلفة من تاريخ الصحة العامة.
فإذا كانت القرون السابقة قد شهدت تطورًا هائلًا في الطب واكتشاف الميكروبات واللقاحات والمضادات الحيوية والتشخيصات الحديثة، فإن المرحلة الجديدة تتطلب تكامل هذه العلوم داخل منظومة واحدة.
إنها مرحلة يمكن أن نطلق عليها:
«ألفية الصحة الواحدة»
حيث لا يمكن النظر إلى صحة الإنسان بمعزل عن الحيوان والبيئة.
وحيث تصبح الأمراض الناشئة، والأمراض المشتركة، ومقاومة مضادات الميكروبات، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، والتنوع البيولوجي، تحديات مترابطة وليست ملفات منفصلة.
ولهذا فإن One Health ليست مجرد مفهوم علمي جديد.
إنها طريقة جديدة في التفكير وإدارة المخاطر.
من زخم المؤتمرات إلى منظومة العمل
ربما كان من الطبيعي أن تبدأ الرحلة بالتعريف بالمفهوم.
ثم جاء الحوار.
ثم جاءت المؤتمرات والورش والتدريب.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة التطبيق المؤسسي.
أي الانتقال:
من المفهوم إلى الوعي،
ومن الوعي إلى التخطيط،
ومن التخطيط إلى البرامج،
ومن البرامج إلى نتائج قابلة للقياس.
وهنا تظهر الحاجة إلى رؤية وطنية تجمع الخبرات الموجودة بالفعل بدلًا من أن تعمل كل جهة في مسار منفصل.
هل حان وقت المجلس الأعلى للصحة الواحدة؟
من هذا المنطلق، يصبح من المشروع فتح نقاش وطني جاد حول إنشاء مجلس أعلى للصحة الواحدة.
ولا ينبغي أن يُفهم المقترح باعتباره دعوة إلى إنشاء كيان إداري جديد لمجرد إضافة مؤسسة أخرى إلى المشهد.
بل يمكن أن تكون الفكرة قائمة على مبدأ واضح:
مجلس يجمع ولا يفرق، ينسق ولا ينافس، ويدعم المؤسسات القائمة ولا يحل محلها.
مجلس يعمل على تنسيق الأولويات الوطنية في مجال الصحة الواحدة، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، وتعزيز تبادل البيانات والخبرات، ودعم البرامج المشتركة بين القطاعات، ومتابعة التنفيذ وقياس الأثر.
فالوزارات والجامعات والمراكز البحثية والهيئات المتخصصة تمتلك بالفعل خبرات وقدرات كبيرة.
والتحدي الحقيقي ليس دائمًا في غياب الخبرة.
بل في كيفية جمع هذه الخبرات داخل رؤية وطنية متكاملة.
مصر تملك مقومات حقيقية
تمتلك مصر قاعدة واسعة من الخبرات العلمية والمؤسسية في الطب البشري، والطب البيطري، والصحة العامة، والبيئة، والزراعة، والغذاء، والبحث العلمي.
كما تمتلك أجيالًا من العلماء والباحثين القادرين على التعامل مع الملفات المعقدة المرتبطة بالأمراض المعدية والأوبئة والتشخيص والمراقبة الوبائية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مزيد من الحديث عن «الصحة الواحدة».
بل تحتاج إلى تجميع القدرات الموجودة بالفعل داخل منظومة أكثر تكاملًا.
من اللغة المشتركة إلى العمل المشترك
لقد نجحنا إلى حد كبير في جعل «الصحة الواحدة» مفهومًا معروفًا.
ونجحنا في فتح الحوار حولها.
ونجحنا في تقريب المسافات بين تخصصات وقطاعات كانت تعمل في أحيان كثيرة بصورة منفصلة.
لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه اللغة المشتركة إلى عمل مشترك.
عندما يصبح الطبيب البشري والطبيب البيطري والباحث والمتخصص البيئي وصانع القرار جزءًا من منظومة واحدة لإدارة الخطر.
عندما تتحول نتائج البحث العلمي إلى سياسات وبرامج.
وعندما تصبح البيانات أداة للوقاية وليس مجرد سجل لما حدث بعد الأزمة.
من رد الفعل إلى الاستباق
ربما تكون أهم رسالة تحملها «الصحة الواحدة» هي أننا لا نستطيع انتظار الخطر حتى يتحول إلى أزمة.
فالأمن الصحي الحديث يقوم على:
الرصد المبكر، وتبادل المعلومات، والتنبؤ بالمخاطر، والوقاية، والاستعداد، والاستجابة المتكاملة.
وهذا هو جوهر الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر.
ومن رد الفعل إلى الاستباق.
ومن العمل المنفصل إلى التكامل.
ومن المبادرات المتفرقة إلى الاستراتيجية الوطنية.
ليست ترندًا.. بل ضرورة
لذلك، يجب ألا نسمح بأن تتحول «الصحة الواحدة» إلى مجرد موجة مؤتمرات أو مصطلح إداري جديد أو عنوان يرتبط بموسم معين.
الصحة الواحدة ليست ترندًا انتخابيًا، وليست حملة مؤتمرات، وليست شعارًا.
إنها استجابة علمية ومؤسسية لطبيعة المخاطر الصحية في العصر الجديد.
والنجاح في المرحلة المقبلة لن يكون في أن نتحدث أكثر عن One Health.
بل في أن نعمل بمنطق One Health.
من المفهوم العلمي إلى الوعي المجتمعي.
ومن الوعي إلى العمل المؤسسي.
ومن المؤتمرات إلى البرامج.
ومن تعدد المبادرات إلى تكامل الجهود.
ومن رد الفعل إلى الوقاية والاستباق.
ومن المعرفة المتفرقة إلى الاستراتيجية الوطنية.
لقد بدأنا في جعل «الصحة الواحدة» لغة مشتركة.
والخطوة التالية هي أن نجعلها منظومة عمل وطنية.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يستحق أن نطرحه الآن ليس:
كم مؤتمرًا أقيم عن الصحة الواحدة؟ بل:
هل نحن مستعدون لبناء استراتيجية وطنية للصحة الواحدة تواكب الألفية الجديدة للصحة؟
أ.د. جميل زيدان
أستاذ الفيروسات والأمراض المعدية
رئيس الجمعية المصرية للصحة الواحدة -المركز القومى للبحوث
عضو اللجنة الوطنية للوبائيات – أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا





