حوارات و مقالات

دكتور عبدالمنعم صدقي يكتب هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إنقاذ المحصول قبل أن يراه المزارع؟،

قد تكون هناك نبتة في أحد أطراف الحقل بدأت تعاني من نقص المياه، بينما تبدو في عيون المزارع طبيعية تمامًا. وفي مكان آخر، قد تكون منطقة صغيرة من المحصول بدأت تتجه نحو الإجهاد، لكن آثار المشكلة لم تظهر بعد على الأوراق. ومع ذلك، هناك من يستطيع اكتشافها مبكرًا… ليس مزارعًا يقف وسط الحقل، وإنما خوارزمية ذكاء اصطناعي تراقب المحصول من السماء.
طائرة مسيّرة تحلق فوق الحقل، تلتقط مئات الصور للنباتات، ثم ترسلها إلى نظام ذكي قادر على تحليل تفاصيل دقيقة لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها. خلال وقت قصير، يمكن للنظام أن يحدد المناطق التي بدأت تعاني من الإجهاد، ويتوقع أيها قد يكون أكثر عرضة لانخفاض الإنتاج، ثم يساعد في تحديد المكان الذي يحتاج إلى المياه ومتى يحتاج إليها.
قد يبدو المشهد وكأنه جزء من مستقبل بعيد، لكنه أصبح بالفعل موضوعًا للبحث العلمي. ففي دراسة حديثة نشرتها دورية Scientific Reports في أغسطس 2026 طور باحثان نظامًا يجمع بين الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي وبيانات التربة والطقس، بهدف اكتشاف إجهاد المحاصيل مبكرًا والتنبؤ باحتمال فقد جزء من الإنتاج، ثم استخدام هذه المعلومات لتحسين قرارات الري.
المثير في الفكرة أن الذكاء الاصطناعي هنا لا ينتظر أن يمرض النبات حتى يخبرنا بأنه مريض؛ بل يحاول أن يكتشف الإشارات الأولى للمشكلة قبل أن تصبح واضحة للعين. وهذه النقلة قد تغير الطريقة التي تدار بها الحقول في المستقبل، من زراعة تتعامل مع المشكلة بعد ظهورها إلى زراعة تحاول التنبؤ بها والاستعداد لها مسبقًا.
وتقوم الطائرات المسيّرة بدور “العين التي لا تنام” فوق الحقل. فهي لا تلتقط صورًا عادية فقط، وإنما يمكنها استخدام تقنيات تصوير مختلفة تكشف معلومات عن صحة النباتات ودرجة تعرضها للإجهاد. وعندما تُضاف إلى هذه الصور بيانات رطوبة التربة ودرجة الحرارة والطقس، يصبح لدى الذكاء الاصطناعي قدر كبير من المعلومات التي تساعده على فهم ما يحدث داخل الحقل.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل يعاني النبات من مشكلة؟ وإنما: هل يمكن لهذه المشكلة أن تتحول إلى خسارة في المحصول؟
هنا تكمن واحدة من أهم أفكار الدراسة. فالنظام يحاول التنبؤ باحتمال تعرض المحصول لخسارة في الإنتاج، بما يسمح بالتدخل في الوقت المناسب. وإذا كانت منطقة معينة تحتاج إلى المياه، يمكن توجيه الري إليها بدلًا من التعامل مع الحقل كله بالطريقة نفسها.
وبحسب نتائج الدراسة، استطاع النظام التنبؤ بإجهاد المحاصيل بدقة بلغت 96.3%، كما أشار الباحثان إلى تحسن كفاءة استخدام المياه بنسبة 41.1% وانخفاض قابلية فقد الإنتاج المتوقعة بنسبة 46.6% مقارنة بأساليب الري القائمة على قواعد ثابتة.
وبلغة أبسط، فإن الفكرة هي أن الماء لا يذهب فقط إلى الحقل، وإنما يذهب إلى المكان الذي يحتاج إليه النبات، وفي الوقت الذي يحتاج إليه.
وهذا التطور يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الزراعة اليوم، وعلى رأسها ندرة المياه وتغير الظروف المناخية وارتفاع تكلفة الإنتاج. فكل قطرة مياه يمكن توفيرها دون التأثير في المحصول تمثل قيمة، وكل مشكلة يمكن اكتشافها قبل أن تتفاقم قد تعني إنقاذ جزء من الإنتاج.
وفي مصر، يمكن أن تفتح هذه التكنولوجيا الباب أمام تطبيقات مهمة في محاصيل مثل القمح والذرة والأرز والبطاطس والطماطم، من خلال الجمع بين الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وحساسات التربة وبيانات الطقس والذكاء الاصطناعي.
وربما يكون التغيير الأكبر الذي تحمله هذه التكنولوجيا هو أن المزارع في المستقبل لن يضطر إلى انتظار ظهور المشكلة على النبات حتى يعرف بوجودها. فقد تأتيه الإشارة أولًا من نظام ذكي يقول له، ببساطة: هناك شيء يحدث في هذا الجزء من الحقل… وتدخلُك الآن قد يصنع الفارق.

إعداد
دكتور عبدالمنعم صدقي
استاذ بمركز البحوث الزراعية

سعيد محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين ومتخصص فى مجال الزراعة والأراضي والمياه والبيئة والانتاج الحيواني والداجني وصادراتهم
زر الذهاب إلى الأعلى