حوارات و مقالات

د هالة أبو يوسف تكتب : عندما يصبح الخطأ في الرش خطرًا على الغذاء والبيئة

التدريب والتأهيل... خط الدفاع الأول للاستخدام الآمن والرشيد للمبيدات

المبيد الزراعي أداة مهمة لحماية المحصول من الآفات والحفاظ على الإنتاج الزراعي، لكنه، مثل أي أداة، لا تتوقف فاعليته على خصائصه فقط، وإنما على من يستخدمه، وكيف ومتى ولماذا يستخدمه، وهنا تكمن إحدى أهم حلقات منظومة الاستخدام الآمن للمبيدات مطبق المبيد. فقد يكون المنتج مسجلًا، والمادة الفعالة مناسبة، والتوصية الفنية صحيحة، ولكن خطأ بسيطًا في الجرعة أو التوقيت أو طريقة الرش يمكن أن يحول المعاملة من وسيلة لحماية المحصول إلى مصدر لمخاطر على مطبق المبيد والمستهلك والبيئة.
من أكثر الأخطاء شيوعًا والتي تبدأ قبل استخدام المبيد أن يبدأ المزارع المكافحة دون تشخيص دقيق للآفة، فظهور الأعراض على النبات لا يعني بالضرورة أن السبب حشرة أو فطر؛ فقد تكون المشكلة مرتبطة بالتغذية أو الري أو الظروف البيئية أو غيرها من العوامل، والنتيجة أن يتم اختيار مبيد غير مناسب، أو استخدام مبيد لمجرد أن شخصًا آخر حقق به نتيجة جيدة في محصول أو ظرف مختلف. إن المبيد المناسب يبدأ بالتشخيص الصحيح، كما أن اختيار المبيد يجب أن يستند إلى المبيدات المسجلة والتوصيات المعتمدة من لجنة مبيدات الآفات الزراعية، وليس إلى توصيات غير رسمية أو تجارب متداولة بين المستخدمين.
هناك اعتقاد شائع بأن زيادة كمية المبيد تؤدي إلى نتيجة أفضل وأسرع، وهذا الاعتقاد من أخطر الممارسات التي يجب تصحيحها، فالجرعة الأعلى من الموصى بها قد تزيد المخاطر على المحصول والبيئة والقائم بالرش، وقد تؤثر في مستويات المتبقيات، كما أن الاستخدام غير الرشيد يمكن أن يسهم في تطور مقاومة الآفات للمبيدات، وفي المقابل فإن استخدام جرعة أقل من الموصى بها قد يؤدي إلى فشل المكافحة ويزيد احتمالات ظهور المقاومة.
لذلك فإن الالتزام بالجرعة المدونة على بطاقة المبيد ليس إجراءً شكليًا، بل هو جزء أساسي من الاستخدام الأمثل للمبيد.
ومن الأخطاء التي تحتاج إلى مزيد من الوعي الخلط العشوائي بين المبيدات أو إضافة مبيدات أخرى إلى خزان الرش، فقد يؤدي الخلط غير المدروس إلى عدم توافق فيزيائي أو كيميائي أو إلى انخفاض كفاءة أحد مكونات الخلط، فضلًا عن احتمالية حدوث أضرار للنبات، لذلك لا يجب أن يتحول خزان الرش إلى مكان لتجريب الخلطات، لأن كل خلط يحتاج إلى أساس فني واضح وتوصية علمية موثوقة تستند إلى دراسات سمية حادة وبيئية ومزمنة وفترة ما قبل الحصاد.
ومن أهم العوامل التي تزيد من نسبة نجاح أو فشل المبيد “آلة الرش”، حتى أفضل مبيد يمكن أن يفقد جزءًا كبيرًا من فاعليته إذا تم تطبيقه بمعدات غير معايرة، فالفوهة التالفة، أو ضغط الرش غير المناسب، أو سرعة الحركة غير الصحيحة، أو سوء توزيع الرذاذ، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في كمية المبيد التي تصل إلى الهدف، ومن هنا تأتي أهمية تدريب مطبق المبيد على معايرة معدات الرش، وليس فقط على معرفة أسماء المبيدات.
كما يعد الطقس جزء أساسي من قرار الرش، الرياح القوية قد تؤدي إلى انجراف الرذاذ بعيدًا عن الهدف، وارتفاع درجات الحرارة قد يؤثر في ظروف التطبيق، كما أن اختيار توقيت غير مناسب بالنسبة إلى دورة حياة الآفة قد يقلل من كفاءة المكافحة. ولهذا فإن المطبق المحترف لا ينظر فقط إلى المبيد، بل ينظر أيضًا إلى المحصول والآفة والطقس والمعدات والتوقيت باعتبارها منظومة واحدة.
يجب أن ننظر بعين الاعتبار إلى أهمية التزام مطبق المبيد بارتداء ملابس الوقاية، فمن المشاهد التي يجب ألا نعتاد عليها رؤية العامل أثناء الرش دون وسائل الحماية المناسبة، فقد يعتقد البعض أن كمية صغيرة من المبيد لا تستدعي ارتداء معدات الوقاية، بينما الحقيقة أن التعامل مع المبيدات يجب أن يتم وفق تعليمات السلامة الخاصة بالمنتج وطبيعة المادة المستخدمة. القفازات والملابس الواقية والأحذية ووسائل حماية العين والجهاز التنفسي، بحسب ما تتطلبه بطاقة المبيد، ليست كماليات، وإنما عناصر أساسية في حماية القائم بالرش.
هناك خطأ آخر بالغ الأهمية يتعلق بعدم الالتزام بفترة ما قبل الحصاد PHI فكل استخدام للمبيد يرتبط بتوصيات محددة يجب احترامها، ومن بينها الفترة الواجب مرورها بين آخر معاملة وموعد الحصاد، لأن عدم الالتزام بهذه الفترة قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات المتبقيات عن الحدود المسموح بها، وهو ما يمثل تحديًا لسلامة الغذاء ولقدرة المحاصيل الزراعية على المنافسة في الأسواق، خاصة الأسواق التي تطبق اشتراطات صارمة على المتبقيات.

هنا يبرز دور لجنة مبيدات الآفات الزراعية أمام هذه التحديات، فلا يمكن بأي حال أن تقتصر منظومة إدارة المبيدات على تسجيل المبيدات والرقابة عليها فقط، فالإنسان الذي يستخدم المبيد هو جزء أساسي من منظومة الأمان، ومن هذا المنطلق، تولي لجنة مبيدات الآفات الزراعية اهتمامًا كبيرًا بتدريب وتأهيل مطبقي المبيدات، بهدف الانتقال من مجرد معرفة اسم المبيد إلى امتلاك المهارة اللازمة لاستخدامه بصورة صحيحة وآمنة، ويشمل التدريب جوانب متعددة، من بينها التعرف على الآفة، واختيار المبيد المناسب، وفهم بطاقة المبيد، والالتزام بالجرعات، ومعايرة معدات الرش، واختيار التوقيت المناسب، واستخدام معدات الوقاية، والتعامل الآمن مع العبوات والمخلفات، إلى جانب التعريف بمبادئ الإدارة المتكاملة للآفات، والهدف هو بناء مطبق محترف يمتلك المعرفة والمهارة والمسؤولية. إن تأهيل مطبقي المبيدات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء للحصول على شهادة، فالشهادة مهمة، لكن الأهم هو أن تتحول المعرفة إلى سلوك يومي داخل الحقل، فالمطبق المؤهل هو الشخص الذي يستطيع أن يسأل قبل الرش عدة أسئلة هامة:
 هل هذه هي الآفة فعلًا؟
 هل المبيد مسجل لهذا الاستخدام؟
 هل الجرعة صحيحة؟
 هل معدات الرش معايرة؟
 هل الظروف الجوية مناسبة؟
 هل أرتدي معدات الوقاية؟
 وهل تم الالتزام بفترة ما قبل الحصاد؟
هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا في سلامة الغذاء وحماية البيئة. إن مواجهة الاستخدام الخاطئ للمبيدات ليست مسؤولية المزارع أو المطبق وحده، وإنما مسؤولية مشتركة بين جميع أطراف المنظومة الزراعية. ويظل الاستثمار في تدريب الإنسان وتأهيله أحد أهم الاستثمارات التي يمكن القيام بها. فنحن لا نريد مجرد زيادة عدد من يحملون شهادة “مطبق مبيد”، وإنما نريد بناء جيل من المطبقين القادرين على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح. فالهدف ليس منع استخدام المبيدات، وإنما الوصول إلى الاستخدام الأمثل والرشيد والفعال، واللجوء إليها عند الحاجة، واختيار المبيد المناسب، واستخدامه بالطريقة والجرعة والتوقيت الصحيح، مع تعزيز الإدارة المتكاملة للآفات والوسائل الأقل خطورة كلما كان ذلك ممكنًا.
وفي النهاية، فإن التطبيق الصحيح للمبيد لا يحمي المحصول فقط، إنما يحمي المطبق، ويحافظ على البيئة، ويدعم سلامة الغذاء، ويعزز جودة المنتجات الزراعية المصرية وقدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية، ولهذا فإن مطبق المبيدات المؤهل ليس مجرد عامل يقوم بعملية رش؛ بل هو شريك أساسي في منظومة سلامة الغذاء والاستدامة الزراعية وحماية مستقبل الزراعة المصرية.

بقلم: أ.د. هالة أبو يوسف

رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية

سعيد محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين ومتخصص فى مجال الزراعة والأراضي والمياه والبيئة والانتاج الحيواني والداجني وصادراتهم
زر الذهاب إلى الأعلى