سامي عبدالمنصف يكتب:«إنَّ المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»…«عطر عالق بملابسي القديمة»
كاتب مصري
قول مأثور سمعته لأول مرة منذ أكثر من عشرين عاماً من رئيسي في العمل آنذاك، ذلك الرجل الحكيم الذي يحمل درجة الدكتوراه ويعرفه الكثيرين ممن أعرفهم في محيط العمل بالحكمة البالغة والعين الثاقبة إضافة إلى الشخصية الفولاذية والقدرة الفائقة على إدارة الأمور ووضعها في نصابها، قالها عندما كنت أتعجل إنجاز أمر ما دون تخطيط مسبق وأنفق جهداً -رآه رحمه الله – أكثر مما يلزم فقال لي:
«يا بني إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى».
ثم سمعته فيما بعد يردد هذا القول في مواقف عدة جميعها تقريبا تجمعني معه، فقد كان عملي ملازما دائما له ونظراً لثقل الأعباء وكثرة التفاصيل كان يبذل جهدا فائقاً وأنا أعاونه، وفي أحيان كثيرة أكون على عجلة من أمري أعمل باجتهاد وجد، لكنه لم يكن يراني إلا بعين الناقد وكان يراني غالباً أسير جاداً على غير هدى، وكانت تستفزني دائماً تلك النظرة.
سألته عن تفسير هذه الحكمة فأجابني أن المنبت هو راكب الناقة المتعجل الذي يقسو على ناقته وعلى نفسه بدون تخطيط أو روية كي يصل إلى غايته في أقصر وقت ممكن، فتكون النتيجة أنه لا يقطع أرضاً أي لا يسير في اتجاه وجهته بالسرعة التي يظنها، كما أن قسوته على الناقة قد تؤدي إلى نفوقها من شدة التعب، فيكون بذلك لم يبق حتى ظهراً يوصله إلى غايته، بصراحة شديدة أنكرت التفسير وتصورت أنه نصاً يفسره حكيمنا تفسيرا يساير الموقف كي يثبت وجهة نظره فحسب.
مرت السنون ووجدتني أتذكر مقولته كلما مررت بمثل هذه الظروف أو صادفني في حياتي من يتصرف بهذه الحماقة، فبحثت عن التفسير، فإذا بهذه المقولة حديث نبوي شريف رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى».
وهنا، شعرت بكم الظلم الذي ظلمته أياه بظني السيء، فهو –رحمه الله– لم يكن ينقل حكمة عملٍ فحسب، بل كان يردد صدى قولٍ نبويٍّ عميق، ربما لم يُدرك هو نفسه أنه من مشكاة النبوّة، قولاً علق بذهنه على مدى عمره الطويل كالعطر الذي يعلق بملابس قديمة.
ظننت طويلاً أن السرعة فقط هي طريق الإنجاز، وأن الحماس وحده يكفي لصنع النجاح، حتى أثبتت لي الحياة أن الرفق ليس بطئاً بل بصيرة، وأن الاعتدال ليس تراجعًا بل اتزانٌ يضمن الوصول.
علمني رحمه الله أن الطريق الطويل لا يُقطع بالركض، بل بخطواتٍ ثابتةٍ يعرف صاحبها متى يُسرع ومتى يُبطئ، وأن من يستهلك طاقته كلها في أول الرحلة، لن يبقى له ما يُعينه على بلوغ غايته المنشودة.
لقد رحل من قال هذه الحكمة الباقية، وبقي قوله يسير معي في كل دربٍ أقطعه.
وكلما غلبتني العجلة أو استبدّ بي الطموح، تذكّرت صوته الهادئ حيناً والثائر أحياناً يقول:
“رويدك يا بني… فإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق من علمني رحمه الله.





