خبير موارد مائية – وزارة الري- مصر
فى ظل اجواء الاحتفال بافتتاح المتحف المصرى الكبير تناقلت وسائط التواصل الاجتماعى قصة مرقص باشا حنا ودوره الوطنى فى الحفاظ على مقتنيات المقبرة الملكية لتوت عنخ امون، والمعركة الكبيرة التى خاضها مع هوارد كارتر مكتشف المقبرة الذى كان ينتوى اقتناص نصف المقتنيات ونقلها لانجلترا. تحت ذريعة ان المقبرة غير ملكية وتعرضت للفتح قبل الاكتشاف.
قاد مرقص باشا حنا بخبرته كخريج مدرسة الحقوق معركة قانونية كسبتها مصر فى النهاية واثبتت حقها فى الاحتفاظ بكامل محتويات المقبرة
مرقص حنا (1873- 1934) لم يكن مهندسا بل حصل على ليسانس الحقوق من السوربون بفرنسا، فى وقت كانت كلية الحقوق هى الباب الملكى لشغل الوظائف الرفيعة، والتحق بالنيابة العامة فور عودته من باريس ثم استقال بعد فترة مفضلا العمل كمحامى.
انضم لحزب الوفد وخاض معه صراعه مع الاحتلال البريطانى وتم تكليفه بوزارة الاشغال العمومية فى عام 1924. استمر بها تسعة شهور فقط (28 يناير الى 24 نوفمبر) وتولى عدة وزارات اخرى مثل المالية والخارجية.
الغريب انه بالرغم من تلك المدة القصيرة لكنها شهدت موقفه المشهود الذى تصدر ترند الاخبار خلال الايام القليلة الماضية بالحفاظ على كنز توت عنخ امون مصريا خالصا. ماذا كان موقفنا لو نال توت مصير رأس نفرتيتى وباقى الاثار المصرية التى تمت سرقتها وتهريبها للخارج
الحقيقة ان الحفاظ على كنوز توت عنخ امون ليس الموقف الوطنى الوحيد لمرقص حنا الذى انعم عليه السلطان حسين كامل بالباشوية بعد تكليفه بالوزارة، كعادة تلك الايام. هناك موقف اخر ارتبط بمطالب قدمتها الحكومة البريطانية لسعد زغلول بعد اغتيال السير لى ستاك فى عام 1924، كان المطالب ترتبط بتعويضات مالية وهو شيئ يمكن تفهمه.
لكن الغريب ان بريطانيا طلبت زيادة المساحة المنزرعة على مياه النيل فى ارض الجزيرة بالسودان، ما يعنى بالتبعية تقليل كمية المياه الواردة لمصر، وهو ما رفضه سعد باشا زغلول بعد التنسيق مع مرقص باشا باعتباره وزير الاشغال العمومية فى ذلك الوقت.
وحينما اصرت بريطانيا على موقفها لم يجد سعد باشا افضل ولا اكرم من التقدم باستقالته هو وكامل اعضاء الوزارة..جاءت وزارة جديدة ونفذت المطالب البريطانية فيما عدا الموافقة على تقليل الموارد المائية الاتية لمصر..
مدرسة الري المصري ومواقف تاريخية مع السادات
ولان الشيء بالشيء يذكر، هناك ثلاث شخصيات شغلت موقع وزير الرى ولها مواقف سجلها التاريخ باحرف من نور..سأبدأ باقدمها وهو المهندس عبد الخالق الشناوى، صاحب الشخصية القوية الحازمة والذى تولى الوزارة لمدة ثلاث سنوات خلال الفترة (1965-1968).
فى تلك الفترة شاعت اشهر جملة اطلقها الوزير الشناوى داخل بهو مجلس الشعب واثناء عرض الموافقة على احد المشروعات، فوجئ الوزير بتدخل بعض اعضاء المجلس فى الامور الفنية للمشروع من تصميمات ولوحات. وحينما استنفذ صبره على الاستماع، امسك بالميكروفون ووجه حديثه للاعضاء قائلا : اتركوا الهندسة للمهندسين” دعوة لاحترام التخصص اصبحت مثلا دارجا حينما نسمع فتاوى من غير اهلها واصبح حق الملكية الفكرية لها هو عبد الخالق بك الشناوى الوزير الجرى المحترم..
عبدالهادي سماحة والسادات والقدس
التنوذج الثالث هو المهندس محمد عبد الهادى سماحه ( 1979- 1980) الذى شاهد على شاشة التليفزيون زيارة الرئيس السادات الى مدينة القدس والى الجلسة التى ضمته مع رئيس الوزراء الاسرائيلى مناحم بيجين وباقى القادة الاسرائيلين وتطرقت لاوجه التعاون بين مصر واسرائيل بعد ارساء السلام واستعادة الارض.
اشار الرئيس السادات الى مياه النيل التى يمكن ان تمتد لتصل لاراضى فلسطين. تلقف الاسرائيليون التصريح كغريق القى له طوق نجاة وطلبوا رسميا تنفيذ هذا المشروع.
سماحة وتوصيل مياه النيل لإسرائيل
وجه الرئيس السادات إلى رئيس مجلس وزراءه الدكتور مصطفى خليل بدراسة الموضوع. تواصل رئيس الوزراء مع وزير الرى المهندس محمد سماحة الذى طلب اسبوعا للدراسة مع خبراء الرى فى الوزارة. طلب بعده لقاء رئيس الوزراء للاهمية.
فى اللقاء قال المهدس سماحة بوضوح، انه لا يستطيع ان يوافق على توصيل المياه لاسرائيل لانها ستكون سابقة تمنحها حق ارتفاق وبالتالى لا يمكن لنا فى المستقبل حق الرجوع فى القرار. بالاضافة الى انها قد تشجع باقى دول حوض نهر النيل على نقل مياهه خارج الحوض.
وافق الدكتور خليل على منطق وزير الرى وعرضه كما هو على الرئيس السادات الذى كان يملك من الحنكة والوطنية قدرا كبيرا جعله يتراجع فعليا عن المقترح الذى قدمه لاسرائيل. واحتفظ التاريخ للمهندس سماحة بهذا الموقف العظيم وعلى شجاعته فى التصحيح امام القيادة السياسية كما يحسب للقيادة السياسية استماعها لصوت العقل والحكمة..
موقف آخر بطله هذه المرة هو المهندس عبد العظيم ابو العطا، وهو أحد أكابر وزارة الموارد المائية والرى والتى شغل معها وزارة الزراعة فترة من الزمن.
كان ذلك فى عام 1980 حينما قرر الرئيس السادات حل حزب مصر وانشاء حزب جديد يترأسه هو بنفسه تحت اسم الحزب الوطنى الديمقراطى.
فى ساعة واحدة هرول جميع اعضاء حزب مصر لتقديم استقالاتهم من حزب مصر والانضمام الى الحزب الوطنى، تبخر حزب مصر فى ساعة ولم يبق حول السيد ممدوح سالم رئيس الحزب سوى حفنة تعد على اصابع اليد الواحدة، منهم المهندس عبد العظيم ابو العطا الذى فضل الثبات على مبدأه السياسى، دارت الايام ووقعت احداث سبتمبر 1980 وتم القبض على ابو العطا ضمن من القى القبض عليهم من معارضين فى مصر، لكن صحته لم تحتمل اجواء السجن فتوفى جراء ازمة قلبية مفاجئة بعد اسابيع قليلة من حبسه وسدد ثمنا فادحا لالتزامه بمبدأه..
الري المصري ووطنية المواقف السياسية
الحقيقة ان الأربعة من ابناء وزارة الرى وقادتها هم مجرد نماذج تعرف الناس على مواقفهم لكن هناك عشرات غيرهم التزموا نفس المواقف الوطنية، من حموا المنشآت المائية من التخريب ابان الفترة القلقة فى عام 2011 ومن اصروا على الالتزام بالقانون لحماية نهر النيل من التعديات، بلا خوف او وجل من سطوة بعض المتعدين او نفوذهم المالى والاقتصادى، من اتخذوا قرار وقف المفاوضات مع الجانب الاثيوبى ووصفوها بالعبث لحماية الحقوق المائية المصرية،
ان قرار انشاء وزارة الموارد المائية والرى بمسمياتها المختلفة (اشغال عمومية – اشغال عامة) كان مصدره السلطة، خديوية او ملكية او جمهورية، لكن قرار انشاء مدرسة الرى المصرية لم تنشئه سلطة بل ارادة لمهندسين وطنيين آثروا ضرب مثال فى العمل الجاد والمخلص فاستحقوا ان يطلق عليهم الناس لقب مدرسة..
هذا غيض من فيض، وجزء من كل.. وربما يسمح المستقبل بالكشف عن كثير من تلك المواقف المشرفة..






