بحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالات

د طارق عبدالعليم يكتب: هل تضيق المساحة أمام الصادرات الزراعية المصرية بسبب فتح أوروبا أبوابها لتكتل «الميركوسور»؟

باحث – المعمل المركزي للمبيدات – وزارة الزراعة -مصر

  • منافسة جديدة، معايير أشد، وكلفة امتثال متصاعدة… كيف تعيد الصادرات المصرية ترتيب أوراقها في السوق الأوروبي؟

لم تعد خريطة التجارة الزراعية مع الاتحاد الأوروبي كما كانت قبل سنوات قليلة. فبينما تمضي أوروبا في فتح أسواقها أمام تكتلات تجارية كبرى مثل «الميركوسور»، تتجه في الوقت ذاته إلى تشديد غير مسبوق في معايير السلامة الغذائية، والاشتراطات البيئية، ومتطلبات الاستدامة.

هذا التوازي بين الانفتاح التجاري من جهة، والتشدد التنظيمي من جهة أخرى، يضع الصادرات الزراعية المصرية أمام اختبار صعب، تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد بالسياسة والبيئة.ليست المسألة في دخول منافسين جدد فحسب، بل في اجتماع ثلاثة عوامل ضاغطة في وقت واحد: تحرير تجاري واسع، تشدد غير مسبوق في المعايير، وكلفة بيئية تتصاعد تحت مسمى الاستدامة.

  • الميركوسور يدخل المشهد الأوروبي

يمثل تكتل الميركوسور، الذي يضم البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، أحد أكبر القوى الزراعية في العالم، بإجمالي صادرات زراعية وغذائية تتجاوز 160 مليار دولار سنويًا ،هذه الدول لا تصدّر فقط كميات ضخمة، بل تمتلك منظومات إنتاج صناعي زراعي متكاملة، وشركات عابرة للقارات، وقدرة عالية على امتصاص الصدمات السعرية.

. ومع اقتراب تفعيل اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، ستدخل منتجات هذا التكتل السوق الأوروبية بإعفاءات جمركية واسعة، ما يعزز قدرتها على المنافسة السعرية، ويغير موازين العرض والطلب داخل واحدة من أهم الأسواق العالمية. وهنا تكمن الخطورة: المنتج الذي كان يُستبعد سابقًا بسبب السعر المرتفع، سيصبح فجأة منافسًا مباشرًا على نفس الرف، ونفس المستهلك

بالنسبة لمصر، التي تُعد أوروبا وجهة رئيسية لجزء معتبر من صادراتها الزراعية، فإن هذا التطور لا يُقرأ فقط كزيادة في عدد المنافسين، بل كتحول في طبيعة المنافسة نفسها، حيث يلتقي الحجم الإنتاجي الضخم لدول الميركوسور مع قواعد سوق أوروبي شديد الحساسية تجاه الجودة والاستدامة.

بين منافسة شرسة وتشدد أوروبي خانق وضريبة كربون تلوح في الأفق… هل يملك المصدر المصري رفاهية التأخير؟

  • تآكل الميزة النسبية

لسنوات طويلة، استفادت الصادرات الزراعية المصرية من موقع جغرافي قريب واتفاقيات شراكة وفّرت إعفاءات جمركية شبه كاملة، إضافة إلى ميزة التصدير في فترات فجوة الإنتاج الأوروبي. غير أن دخول الميركوسور يقلص هذه المزايا تدريجيًا، خصوصًا مع تطور سلاسل الإمداد العالمية، وقدرة المنتجين في أمريكا الجنوبية على تلبية الطلب الأوروبي طوال العام.

ومع تراجع أفضلية السعر وحدها، تصبح المنافسة أكثر تعقيدًا، وتنتقل إلى مستوى الالتزام بالمعايير الفنية والتنظيمية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

  • تشدد أوروبي غير مسبوق

يشهد الاتحاد الأوروبي موجة تشريعات متلاحقة في إطار سياسات «من المزرعة إلى الشوكة» والصفقة الأوروبية الخضراء، تستهدف خفض استخدام المبيدات، تقليل المخاطر الصحية، وتعزيز الاستدامة البيئية. هذه السياسات تُترجم عمليًا إلى تشديد في حدود متبقيات المبيدات، توسيع نطاق الفحوصات، وزيادة الاعتماد على نظم التتبع والشفافية.

بالنسبة للمصدر المصري، فإن أي إخفاق في الالتزام بهذه المعايير لا يعني فقط رفض شحنة، بل تهديدًا للسمعة التصديرية ككل، خاصة في ظل منافسة قوية من دول قادرة على امتصاص كلفة الامتثال المرتفعة.

  • المبيدات تحت المجهر

تُعد إدارة المبيدات أحد أكثر الملفات حساسية في الصادرات الزراعية المصرية. الاتحاد الأوروبي يفرض قيودًا صارمة على عدد من المواد الفعالة، ويُجري مراجعات دورية للحدود القصوى لمتبقيات المبيدات. ومع تشدد الرقابة، أصبحت الأخطاء الصغيرة مكلفة، ليس فقط ماليًا، بل استراتيجيًا، لأنها قد تُستغل من المنافسين لتعزيز مواقعهم داخل السوق.

في المقابل، تدرك دول الميركوسور أهمية هذا الملف، وتسعى إلى مواءمة نظمها الرقابية مع المتطلبات الأوروبية، مدعومة بإمكانات إنتاجية واستثمارية ضخمة.

  • الاستدامة والبصمة الكربونية

`لم تعد سلامة الغذاء وحدها كافية لضمان النفاذ إلى السوق الأوروبي. فالبصمة الكربونية أصبحت معيارًا حاسمًا في تقييم المنتجات، ومع قرب تطبيق آلية ضريبة الكربون المعدلة على الحدود، ستواجه الصادرات الزراعية تكاليف إضافية إذا لم تثبت التزامها بخفض الانبعاثات.

الأخطر ربما ليس ما يُطبق اليوم، بل ما هو قادم. فمع اقتراب التطبيق الكامل لآلية ضريبة الكربون المعدلة على الحدود (CBAM)، تدخل الصادرات الزراعية مرحلة جديدة من الحسابات المعقدة. لم يعد السؤال: هل المنتج آمن غذائيًا؟ بل: كم انبعاثًا أنتج ليصل إلى رف المتجر الأوروبي؟

الدول القادرة على إثبات بصمة كربونية منخفضة ستكسب، ومن لا يمتلك بيانات موثقة وأنظمة قياس واضحة، سيدفع الثمن، إما في صورة ضريبة إضافية أو فقدان القدرة التنافسية.

هذا التطور يحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية في آن واحد، إذ يعكس رغبة أوروبا في حماية أسواقها وتحفيز الشركاء التجاريين على تبني معايير بيئية أكثر صرامة، حتى وإن أدى ذلك إلى إعادة رسم خريطة الموردين.

  • مثال واقعي: الموالح المصرية

تُعد الموالح، وعلى رأسها البرتقال، من أبرز صادرات مصر الزراعية إلى أوروبا. ومع توسع دول الميركوسور في إنتاج أصناف تنافسية، مدعومة بإعفاءات جمركية، يواجه البرتقال المصري تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على الجودة العالية، وضبط متبقيات المبيدات، مع السيطرة على الكلفة في ظل متطلبات الاستدامة المتزايدة.

نجاح هذا القطاع أو تعثره سيكون مؤشرًا واضحًا على قدرة الصادرات المصرية ككل على التكيف مع المرحلة الجديدة.

  • ما الذي تحتاجه الصادرات المصرية؟

في مواجهة هذه التحولات، يصبح التحرك الاستباقي ضرورة لا رفاهية. ويشمل ذلك:

  • تعزيز نظم الرقابة على المبيدات من المزرعة حتى التصدير.
  • الاستثمار في الزراعة الذكية والممارسات منخفضة الانبعاثات.
  • التوسع في التصنيع الزراعي لزيادة القيمة المضافة وتقليل الحساسية السعرية.
  • قراءة الاتفاقيات التجارية الجديدة باعتبارها واقعًا يجب التكيف معه، لا تحديًا مؤقتًا.

خلاصة المشهد

فتح السوق الأوروبي أمام الميركوسور، بالتوازي مع تشدد المعايير الفنية والبيئية، يعكس مرحلة جديدة في التجارة الزراعية الدولية، حيث لا يكفي القرب الجغرافي أو السعر التنافسي وحده. الصادرات الزراعية المصرية أمام مفترق طرق: إما الارتقاء بمعاييرها وقدرتها التنافسية، أو مواجهة تراجع تدريجي في واحدة من أهم أسواقها.

وفي عالم تتقاطع فيه التجارة مع السياسة والبيئة، يصبح النجاح مرهونًا بالقدرة على الفهم المبكر والتحرك الذكي، قبل أن تُعاد كتابة قواعد اللعبة بالكامل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى