د عاطف عشيبة يكتب: فوائد الصيام في شهر رمضان وإرشادات غذائية متكاملة لمختلف الفئات
وكيل معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية
يعد الصيام واحدًا من أقدم الأنظمة الصحية التي عرفها الإنسان على مر العصور، فهو ليس مجرد عبادة روحية فحسب، بل أسلوب حياة متكامل يتيح للجسم فرصة لإعادة التوازن وتجديد النشاط.
وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن الصيام يحمل فوائد صحية عديدة، شاملة للجهاز الهضمي، والدورة الدموية، والجهاز المناعي، بشرط الالتزام بأسس التغذية السليمة والاعتدال في تناول الطعام. خلال ساعات الصيام، التي تمتد في المتوسط من 13 إلى 14 ساعة من أذان الفجر حتى أذان المغرب.
يخضع الجسم لتغيرات فسيولوجية إيجابية؛ فهو يبدأ باستخدام مخزونه من الطاقة بشكل أكثر كفاءة، ويعزز من حرق الدهون والسكريات المخزنة، كما يمنح الخلايا فرصة للتجدد، مما يساهم في تحسين كفاءة وظائف الجسم المختلفة، وتعزيز الصحة العامة، وزيادة الشعور بالنشاط والحيوية على مدار اليوم.
فوائد صيام رمضان للجسم
أثناء الصيام يعتمد الجسم في البداية على سكر الجلوكوز الناتج عن هضم وامتصاص وجبة السحور، إلا أن هذا المصدر يظل فعالًا لساعات محدودة فقط، وبعد نفاد هذا الاحتياطي يبدأ الجسم في الانتقال إلى استخدام مخزونه من السكريات والدهون المخزنة في أنسجة الجسم لتوليد الطاقة اللازمة للنشاط اليومي.
وهذه العملية لا تقتصر على تلبية الاحتياجات الطاقية فحسب، بل تلعب دورًا مهمًا في تحفيز حرق الدهون المتراكمة، وتحسين كفاءة التمثيل الغذائي، ودعم عملية إزالة السموم والفضلات من الجسم، ما يسهم في تنظيف الجهاز الهضمي والكبد والكلى.
إضافة إلى ذلك، يتيح الصيام فرصة لإعادة التوازن الهرموني، حيث يقل إفراز الأنسولين ويزداد إفراز هرمونات النمو، مما يعزز من تجديد الخلايا وإصلاح الأنسجة، ويقوي من مقاومة الجسم للأمراض. كما أن هذه التغيرات تساعد على زيادة الحيوية والنشاط العام، وتحسن أداء الجهاز العصبي والذاكرة، ما يجعل الصيام ليس مجرد عبادة روحية، بل أيضًا نظامًا طبيعيًا لتنشيط الجسم وتجديد طاقته وحيويته بشكل متكامل.
الصيام والعلاج من الامراض
يعتبر الصيام علاجًا مساعدًا أو داعمًا للشفاء في العديد من الحالات المرضية، من بينها أمراض الحساسية التي تتأثر بتناول بعض الأطعمة، حيث يمنح الصيام الجسم فرصة للراحة من هذه المثيرات الغذائية، مما يؤدي إلى تحسن الأعراض.
كما يساهم في تحسين حالات حب الشباب والبشرة الدهنية والدمامل، نظرًا لتقليل تناول الأطعمة الغنية بالدهون. ويساعد الصيام كذلك على التخفيف من أعراض فشل القلب من خلال الحد من استهلاك الدهون والكوليسترول.
كما يعد شهر رمضان فرصة مناسبة لخفض الوزن الزائد بشرط الالتزام بالاعتدال في تناول الطعام وزيادة النشاط البدني. إضافة إلى ذلك، يسهم الصيام في علاج كثير من مشكلات الجهاز الهضمي مثل الحموضة والقولون العصبي والانتفاخات، حيث يحصل الجهاز الهضمي على فترة راحة تساعد على تجديد نشاطه، ويلعب العامل النفسي المصاحب لشهر رمضان دورًا مهمًا في تحسن هذه الحالات.
الطريقة الصحية للإفطار
يفضل أن يبدأ الإفطار بتناول أطعمة خفيفة وبكميات معتدلة، مثل عدد قليل من التمر مع كوب من الماء الفاتر أو شوربة دافئة، حيث تساعد هذه البداية اللطيفة على تهيئة المعدة تدريجيًا لاستقبال الطعام دون إجهاد للجهاز الهضمي.
ويُعتبر التمر خيارًا مثاليًا لاحتوائه على سكريات طبيعية سهلة وسريعة الامتصاص، تمد الجسم بالطاقة فورًا بعد ساعات طويلة من الصيام، كما يحتوي على ألياف غذائية تساعد على تنظيم حركة الأمعاء وتحسين الهضم. إضافة إلى ذلك، يتميز التمر بفوائد صحية متعددة، فهو يساهم في الوقاية من الأنيميا بفضل احتوائه على الحديد، ويدعم صحة القلب، ويخفف الحموضة والحرقة، ويقوي الجهاز المناعي، ويحتوي على مجموعة من المعادن الأساسية والفيتامينات المهمة، مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم وفيتامينات B، مما يعزز النشاط العام للجسم.
وينصح بأن تكون وجبة الإفطار معتدلة الحجم، لأن الإفراط في تناول الطعام، خصوصًا الأطعمة الدسمة، يؤدي إلى تجمع الدم في الجهاز الهضمي للقيام بعملية الهضم، مما يسبب شعورًا بالخمول والنعاس بعد الإفطار.
ومن المهم أيضًا تنويع مكونات الوجبة لتشمل جميع العناصر الغذائية الأساسية، من البروتينات والكربوهيدرات المعقدة والخضروات الطازجة أو المطهية، مع التقليل من الدهون المشبعة والسكريات الزائدة. كما يمكن استبدال الحلويات الثقيلة والمشبعة بالدهون بحلويات خفيفة أو فواكه طازجة سهلة الهضم، ما يضمن شعورًا بالراحة والطاقة المستمرة بعد الإفطار دون زيادة الحمل على الجهاز الهضمي.
أهمية وجبة السحور في شهر رمضان
يستحب تأخير وجبة السحور إلى أقرب وقت ممكن قبل آذان الفجر، لما لذلك من أثر كبير في إمداد الجسم بالطاقة لفترة أطول خلال ساعات الصيام وتقليل الشعور بالجوع والعطش خلال النهار.
ويُنصح بأن تكون مكونات السحور خفيفة ومتوازنة، بحيث تشمل مصادر بروتين سهلة الهضم، كالألبان أو البيض، وكربوهيدرات معقدة تمنح إحساسًا بالشبع لفترة أطول، إلى جانب الخضروات والفواكه الغنية بالألياف والفيتامينات والمعادن.
ويفضل الابتعاد عن الأطعمة المالحة والدسمة، مثل المخللات والجبن الدسم، والحلويات الثقيلة والمقلية، لأنها قد تؤدي إلى العطش الشديد، وعسر الهضم، وزيادة الشعور بالثقل والكسل أثناء الصيام. وعند اختيار السحور بعناية، يصبح الصيام أكثر راحة ويساعد الجسم على الحفاظ على توازنه الداخلي ونشاطه طوال اليوم.
تغذية كبار السن في رمضان
مع التقدم في العمر تحدث تغيرات فسيولوجية طبيعية تؤثر على كفاءة التمثيل الغذائي والهضم وامتصاص العناصر الغذائية، مثل ضعف الشهية، وقلة إفراز العصارات الهضمية، وصعوبة مضغ الطعام بسبب مشاكل الأسنان أو ضعف الأطقم الصناعية. لذلك يصبح الاهتمام بالغذاء أمرًا ضروريًا لضمان صحة كبار السن خلال شهر رمضان.
ويُستحسن أن يكون الغذاء غنيًا بالبروتينات الضرورية لبناء وتجديد الأنسجة، ومليئًا بالفيتامينات والمعادن التي تدعم المناعة وصحة العظام، مع الاعتدال في النشويات، وتقليل الدهون، وضبط السعرات الحرارية بما يتناسب مع احتياجاتهم اليومية.
كما يُنصح بتقسيم الوجبات إلى حصص خفيفة موزعة بين الإفطار والسحور لتسهيل الهضم وتقليل الضغط على المعدة، والإكثار من السوائل للحفاظ على الترطيب وتعويض ما يفقده الجسم أثناء الصيام.
ومن النصائح المهمة أيضًا طهي الطعام جيدًا لتسهيل المضغ والبلع، وتقليل استخدام الملح والبقوليات الجافة لتجنب الانتفاخ وعسر الهضم، بما يضمن تجربة صيام صحية ومريحة لكبار السن، ويحافظ على نشاطهم وحيويتهم طوال الشهر الكريم.
التغذية المناسبة لمرضى السكري في رمضان
يعد الصيام فرصة ممتازة لمرضى السكري لتحسين التحكم في مستوى السكر بالدم وخفض الوزن الزائد، شريطة الالتزام بالإرشادات الطبية والمتابعة الدورية مع الطبيب.
ولضمان صيام آمن وفعال، يجب على مريض السكري الالتزام بالكمية والنوعية المحددة من الطعام، ومراقبة مستوى السكر بانتظام طوال اليوم، مع تأخير وجبة السحور إلى أقرب وقت ممكن قبل الفجر لتعزيز الشعور بالشبع وتوفير الطاقة لساعات أطول من الصيام، والإكثار من تناول السوائل للحفاظ على الترطيب وتجنب الجفاف.
وينصح أيضًا باختيار الأطعمة الغنية بالألياف مثل الحبوب الكاملة والخضروات الورقية، لما لها من دور في إبطاء امتصاص الجلوكوز وتنظيم مستوى السكر في الدم، إضافة إلى الفواكه المناسبة مثل التفاح والجوافة والتين الشوكي، والتي تساعد على ضبط السكر وتحسين صحة القلب والكولسترول.
ويُفضل أن يبدأ إفطار مريض السكري بشوربة دافئة خفيفة لتهيئة المعدة، ثم تناول الخضروات الطازجة أو المسلوقة مع مصدر بروتين صحي، مثل الدجاج أو السمك أو البيض، مع كمية محدودة من النشويات المعقدة لضمان استمرار الطاقة دون ارتفاع حاد في مستوى السكر.
النصائح الغذائية لمرضى ارتفاع ضغط الدم
ينبغي على مرضى ارتفاع ضغط الدم خلال شهر رمضان اتباع نظام غذائي مدروس لضمان صيام آمن وصحي، ويأتي في مقدمة ذلك تقليل استهلاك الملح والمخللات والأطعمة المالحة التي ترفع ضغط الدم وتسبب احتباس السوائل في الجسم.
كما يُنصح بالابتعاد عن الأغذية الجاهزة والمعلبة، واستبدال الدهون الحيوانية بالزيوت النباتية الصحية مثل زيت الزيتون أو زيت دوار الشمس، مع الحفاظ على الوزن المثالي وممارسة النشاط البدني المعتدل مثل المشي بعد الإفطار لدعم الدورة الدموية وصحة القلب.
ويفضل أيضًا تقليل المشروبات المنبهة مثل القهوة والشاي بكميات كبيرة، واستبدالها بمشروبات طبيعية مفيدة مثل الكركديه واليانسون، التي تساعد على ترطيب الجسم وتهدئة الجهاز العصبي، مع تجنب العرقسوس الذي قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. من خلال هذه الإرشادات الغذائية والنمطية، يمكن لمريض ضغط الدم أن يعيش صيامًا مريحًا وآمنًا، مع الحفاظ على التوازن الصحي للجسم والاستفادة من الفوائد الروحية والجسدية لشهر رمضان.






