د علي إسماعيل يكتب: عبادة لا تنقطع على الأرض… وتأملات ونحن نودّع شهر رمضان

استاذ ادارة الاراضي والمياه بمركز البحوث الزراعية.. مصر
ومع نهاية شهر رمضان المبارك اعاده الله عليكم وعلينا وعلى مصر والأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات اكتب هذه التاملات الروحية حيث أن هناك من الحقائق الإيمانية المدهشة أن عبادة الله على كوكب الأرض لا تنقطع لحظة واحدة. فمع اتساع رقعة الأرض واختلاف التوقيتات بين البلدان نتيجة خطوط الطول والعرض ودوران الأرض حول نفسها، تتعاقب الصلوات الخمس بين شعوب العالم تعاقبًا مستمرًا. وفي كل لحظة من الزمن يوجد إنسان أو جماعة تقف بين يدي الله؛ منهم القائمون، ومنهم الراكعون، ومنهم الساجدون.
فبينما يرفع الأذان لصلاة الفجر في أقصى شرق الأرض، يكون المسلمون في مناطق أخرى يؤدون صلاة العشاء، وفي أماكن أخرى يصلون الظهر أو العصر أو المغرب. وهكذا تنتقل موجات العبادة عبر القارات دون انقطاع، وكأن الأرض كلها تتحول إلى محراب واسع تتردد فيه كلمات التكبير والتسبيح على مدار الساعة.
هذه الصورة العظيمة تذكرنا بما أخبر به القرآن الكريم عن تسبيح المخلوقات لله، وأن الكون كله في حالة عبادة دائمة:
“يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ“.
وكما أن الملائكة في السماء منهم الراكع والساجد والقائم لا يفترون عن العبادة، فإن البشر على الأرض يشاركون في هذا المشهد الكوني العظيم بعباداتهم وصلواتهم.
عبادة لا تنقطع على الأرض: تسبيح دائم كما في السماء
من الحقائق المدهشة التي يمكن التأمل فيها اليوم أن عبادة الله على كوكب الأرض لا تنقطع لحظة واحدة. فمع اتساع رقعة الأرض واختلاف التوقيتات بين الدول نتيجة خطوط الطول والعرض ودوران الأرض حول الشمس، نجد أن الصلوات الخمس تتعاقب بين الشعوب والمجتمعات بشكل مستمر. وهذا يعني أن في كل لحظة من لحظات الزمن هناك إنسان أو جماعة من البشر تقف بين يدي الله؛ منهم الراكع، ومنهم الساجد، ومنهم القائم في الصلاة.
تعاقب الصلاة مع دوران الأرض
تدور الأرض حول نفسها مرة كل 24 ساعة، وهو ما يؤدي إلى اختلاف التوقيت بين المناطق المختلفة من العالم. وبسبب هذا الاختلاف تنتقل أوقات الصلوات الخمس — الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء — تدريجيًا من بلد إلى آخر.
فبينما يرفع الأذان لصلاة الفجر في شرق آسيا، يكون المسلمون في مناطق أخرى يؤدون صلاة العشاء، وفي مناطق أخرى يستعدون لصلاة الظهر أو العصر. وهكذا يستمر تسلسل الصلاة عبر القارات دون توقف. لو تصورنا الأرض من الفضاء، سنجد أن هناك في كل لحظة ملايين البشر يصلون:
في مكان ما تُقام صلاة الفجر. وفي مكان آخر تُقام صلاة الظهر. وفي منطقة ثالثة تُقام صلاة العصر. وفي مناطق أخرى المغرب أو العشاء. وبذلك تصبح الأرض كلها في حالة عبادة متصلة لله عز وجل.
انسجام الأرض مع السماء
هذه الحقيقة تذكرنا بما أخبر به القرآن الكريم عن تسبيح المخلوقات لله، حيث قال الله تعالى: “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”.
كما ورد في النصوص الإسلامية أن الملائكة في السماء في عبادة دائمة لا تنقطع؛ فمنهم القائمون، ومنهم الراكعون، ومنهم الساجدون منذ خلقهم الله. وهنا يظهر نوع من الانسجام الكوني العجيب:
في السماء ملائكة يعبدون الله بلا توقف.
وعلى الأرض بشر يعبدون الله في تعاقب مستمر.
دور العلم الحديث في إظهار هذه الحقيقة
لم يكن الإنسان في العصور السابقة يدرك هذا المشهد الكوني بوضوح، لكن مع تطور العلم والتكنولوجيا أصبح من السهل فهمه ورؤيته. كما ساهم علم الفلك في تفسير حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، وهو ما يحدد تعاقب الليل والنهار ومواقيت العبادات.
ومع تطور العلم الحديث، أصبح الإنسان قادرًا على إدراك هذا المشهد بوضوح أكبر؛ فالأقمار الصناعية والخرائط الزمنية والتطبيقات الرقمية التي تحدد مواقيت الصلاة في كل مدينة من مدن العالم تكشف لنا هذا التعاقب المستمر للعبادة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتأمل في دقة النظام الذي أوجده الله في الكون.
رمضان… ذروة العبادة في هذا المشهد الكوني
وإذا كانت العبادة على الأرض لا تنقطع طوال العام، فإن شهر رمضان المبارك يمثل ذروة هذا المشهد الإيماني العظيم. ففي رمضان تتضاعف العبادات وتزداد حركة القلوب نحو الله؛ فالصائمون في كل بقاع الأرض يتناوبون الصيام والإفطار، وتقام الصلوات والتراويح والقيام في المساجد، وتتعالى أصوات القرآن في الليل والنهار.
ولو تأملنا خريطة العالم في رمضان لوجدنا أن هناك دائما: من يتلو القرآن،. ومن يقيم صلاة التراويح، ومن يرفع يديه بالدعاء، ومن يوقظ قلبه بالاستغفار في السحر، ومن يفطر صائمًا أو يتصدق على محتاج. إنها حركة عبادة عالمية لا تهدأ، وكأن الأرض كلها في حالة استقبال دائم لنفحات الرحمة الإلهية.
ونحن نودّع رمضان
ومع اقتراب نهاية هذا الشهر الكريم، يبقى المعنى الأجمل أن العبادة لا تنتهي برحيل رمضان؛ فرب رمضان هو رب الشهور كلها. وما تعلمه المؤمن في هذا الشهر من صلاة وخشوع وقراءة للقرآن وذكر لله يمكن أن يستمر طوال العام.
إن رمضان يذكرنا بحقيقة عظيمة:
أن الأرض لا تخلو لحظة من عابد لله، وأن أبواب الرحمة مفتوحة دائمًا لمن أراد القرب من ربه. فلعل أجمل ما نخرج به من رمضان هو أن نبقى جزءًا من هذا السيل المتواصل من العابدين، الذين ترفع صلاتهم وتسبيحاتهم من الأرض إلى السماء في كل لحظة من لحظات الزمن.
هذا المشهد يفتح بابًا واسعًا للتأمل: ففي كل ثانية من عمر هذا الكون هناك قلب يخشع، وجبهة تسجد، ولسان يذكر الله. ومع مليارات البشر المنتشرين في القارات المختلفة، يصبح كوكب الأرض أشبه بمحراب كبير لا يخلو لحظة من عبادة الله.
إنها صورة تذكر الإنسان بعظمة الخالق ودقة النظام الكوني الذي أودعه الله في هذا العالم. سبحان الله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وجعل من العلم وسيلة لفهم آياته في الكون…… فسبحان من جعل الكون كله في حالة عبادة… وسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم.



