بحوث ومنظماتبيطريتقاريرحوارات و مقالات

 د زينب عبدالبديع: الصحة العالمية وتصنيفات اللقاحات

باحث -المعمل المرجعي للرقابة على الإنتاج الداجني -معهد بحوث الصحة الحيوانية- مركز البحوث الزراعية – مصر

التحصين هو إحدى أعظم الإنجازات الطبية في التاريخ الحديث، حيث يعمل على تحفيز الجهاز المناعي لإنتاج أجسام مضادة ضد مسببات الأمراض دون الإصابة بالمرض نفسه. في المجال البيطري، يحمي الثروة الحيوانية من الوباء، بينما في الطب البشري، أنقذ ملايين الأرواح من أمراض مثل الجدري والشلل. يعتمد التحصين على مبادئ مناعية مشتركة بين الإنسان والحيوان، مما يجعله أداة وقائية عالمية. سنركز هنا على الأنواع الرئيسية، مع أمثلة من كلا المجالين.

تصنيف التحصينات حسب الطريقة التحضيرية

تنقسم اللقاحات إلى فئات أساسية بناءً على تركيبتها وطريقة صنعها، وهذه التصنيفات مشتركة بين الطب البيطري والطب البشري:

  • اللقاحات الحية المضعفة (Live Attenuated Vaccines):
    تحتوي على مسببات مرض حية (فيروسات أو بكتيريا) لكنها معدلة جينياً لتكون ضعيفة. تُنتج مناعة قوية وطويلة الأمد تشبه الإصابة الطبيعية. ذو فعالية عالية (تصل إلى 95%)، لكنها غير مناسبة للحوامل أو المناعة الضعيفة. عادة ما تكفي جرعة واحدة أو جرعتان منها لتوفير حماية مدى الحياة.
    أمثلة بيطرية: لقاح الجدري (Rabies) للكلاب، لقاح نيوكاسل للدواجن.
    أمثلة بشرية: لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)، لقاح الروتا فايروس للأطفال.
  • اللقاحات الميتة أو المعطلة (Inactivated Vaccines):
    تحتوي على فيروسات أو بكتيريا ميتة بمواد كيميائية أو حرارة. بحيث لا يمكنها التكاثر أو التسبب بالمرض، لكنها تظل قادرة على تحفيز جهاز المناعة لذلك آمنة تماماً لكنها تحتاج جرعات تعزيزية.
  • يمكن استخدامها في حالات واسعة من السكان، بما في ذلك الحوامل وكبار السن، مستقرة أكثر من اللقاحات الحية المُضعّفة، ويمكن تخزينها بسهولة.
  • أمثلة بيطرية: لقاح الطاعون الخبيث (Anthrax) للأبقار، لقاح الكلب الناري للقطط، لقاح السالمونيلا للدواجن.
    أمثلة بشرية: لقاح الإنفلونزا الموسمي، لقاح التهاب الكبد أ (Hepatitis A).
  • اللقاحات المشتقة من السموم (Toxoid Vaccines):
    هي نوع خاص من اللقاحات يُستخدم لمكافحة الأمراض التي تسببها السموم التي تُفرزها بعض البكتيريا، وليس البكتيريا نفسها.
  • بعض البكتيريا لا تسبب المرض مباشرة، بل من خلال السموم التي تنتجها (مثل بكتيريا الكزاز أو الدفتيريا).يتم أخذ هذه السموم ومعالجتها كيميائيًا (عادة بالفورمالين) لتحويلها إلى شكل غير سام يُسمى “توكسويد”.
  • التوكسويد يحتفظ بقدرته على تحفيز جهاز المناعة، لكنه لا يسبب المرض.عند حقنه، يتعرف جهاز المناعة عليه ويُكوّن أجسامًا مضادة وخلايا ذاكرة قادرة على مواجهة السموم الحقيقية
  • أمثلة بيطرية: لقاح كلوستريديوم (Clostridium) ضد الانتفاخ للأغنام والماعز، لقاح تيتانوس للخيول.
    أمثلة بشرية: لقاح الدفتيريا والكزاز (Tetanus Toxoid) والسعال الديكي (DTaP).
  • اللقاحات الفرعية أو المُعاد بناؤها (Subunit/Recombinant Vaccines):
    هي نوع من اللقاحات الحديثة التي تعتمد على استخدام أجزاء محددة من الميكروب (مثل البروتينات أو السكريات السطحية) بدلًا من استخدام الميكروب كاملًا. تم اختيار جزء محدد من الفيروس أو البكتيريا يكون مسؤولًا عن تحفيز جهاز المناعة. يُنتج هذا الجزء إما بطريقة صناعية هندسة وراثية/تقنية إعادة التركيب (Recombinant DNA) أو يُستخلص مباشرة من الميكروب.
  • عند حقن هذا الجزء في الجسم، يتعرف جهاز المناعة عليه كجسم غريب ويُكوّن أجسامًا مضادة وخلايا ذاكرة، مما يمنح حماية عند التعرض للمرض لاحقا
  • هذه التحصينات آمنة نسبيًا لأنها لا تحتوي على الميكروب كاملًا، وبالتالي لا يمكن أن تسبب المرض. كما يمكن تصميمها بدقة لاستهداف بروتينات معينة مهمة في العدوى . لذلك مناسبة للأشخاص ذوي المناعة الضعيفة أو الذين لا يمكنهم أخذ اللقاحات الحية المُضعّف
    أمثلة بيطرية: لقاح coli للعجول، لقاح الهربس الفيروسي للخيول.
        أمثلة بشرية: لقاح التهاب الكبد ب (Hepatitis B)، لقاح HPV ضد سرطان عنق الرحم.
  • اللقاحات المتجهة بالفيروسات (Viral Vector Vaccines):
    تستخدم هذه التقنية فيروساً مختلفاً وغير ضار (كناقل), يضاف إلى هذا الفيروس جين مسؤول عن إنتاج بروتين من الميكروب المستهدف (مثل بروتين من فيروس كورونا). يقوم هذا الناقل بتعليم الخلايا كيفية إنتاج البروتين الذي يحفز الجهاز المناعي. أبرز السلبيات التي اكتُشفت في اللقاحات المتجهة بالفيروسات(مثل أسترازينيكا وجونسون آند جونسون) هي ارتباطها النادر بجلطات دموية غير طبيعية، متلازمات عصبية مثل غيلان باريه، والتهابات نادرة في الدماغ والنخاع الشوكي. رغم ذلك، تبقى هذه المضاعفات نادرة جدًا
    أمثلة بيطرية: لقاح الإيبولا للخنازير.
    أمثلة بشرية: لقاح كوفيد-19 من أسترازينيكا أو جونسون آند جونسون.
  • لقاحات mRNA الحديثة:

لقاحات mRNA الحديثة تُعد ثورة في علم المناعة لأنها تعتمد على إدخال تعليمات جينية لتعليم خلايا الجسم إنتاج بروتينات فيروسية لتحفيز جهاز المناعة، وقد أثبتت فعاليتها العالية ضد كوفيد-19، لكن لها أيضًا بعض التحديات مثل الحاجة إلى تخزين شديد البرودة مما يحد من توزيعها في الدول ذات البنية التحتية المحدودة واحتمال حدوث آثار جانبية نادرة تشمل الحمى، التعب، الصداع، وأحيانًا نادرة جدًا مثل التهاب عضلة القلب (Myocarditis) خاصة عند الشباب الذكور
أمثلة بشرية: لقاحات فايزر وبيونتيك لكوفيد-19.
تطبيقات بيطرية ناشئة: تجارب على لقاحات الإنفلونزا الطيور.

تصنيف التحصينات حسب الاستخدام والتطبيق

  • التحصين الوقائي (Prophylactic): روتيني قبل التعرض، مثل لقاح شلل الأطفال، لقاح الحصبة، لقاح الإنفلونزا الموسمية، جدول التحصين للقطط (FVRCP).
  • التحصين العلاجي (Therapeutic): بعد الإصابة، للمساعدة في علاج المرض أو تقليل شدته بعد الإصابة.كلقاح الجمرة الخبيثة للحيوانات المصابة جزئياً،بعض اللقاحات التجريبية ضد السرطان أو فيروس نقص المناعة HIV
  • التحصين الجماعي (Herd OR Mass Immunity): يحمي المجموعة بتحصين نسبة كبيرة، كما في حملات مكافحة الحمى القلاعية عالمياً او حملات تطعيم شلل الأطفال في مصر.
  • التحصينات الفردية (Individual Immunization) حماية شخص معين بناءً على حالته الصحية أو سفره الى مناطق موبوءة أو تعرضه لمخاطر خاصة .مثل لقاح الحمى الصفراء قبل السفر إلى إفريقيا
  • التحصين للحيوانات البرية: يُعتبر مجالًا مهمًا في الطب البيطري والصحة العامة، لأنه يساهم في حماية الإنسان أيضًا من الأمراض المشتركة (Zoonotic Diseases) التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، بالإضافة الي منع انتشار أمراض قد تهدد أنواعًا نادرة أو مهددة بالانقراض و تقليل انتقال الأمراض بين الحيوانات البرية والماشية أو الحيوانات الأليفة. مثل لقاحات ضد الطاعون البقري (Rinderpest) استُخدمت في الماضي لحماية الحيوانات البرية في إفريقيا قبل القضاء على المرض عالميًا و لقاح داء الكلب (Rabies): يُستخدم بشكل واسع في الثعالب، الراكون، والذئاب. غالبًا يُوزع في طُعم غذائي يحتوي على اللقاح ويُترك في البيئة الطبيعيه.

خاتمة

يمثل التحصين ركيزة أساسية في نهج الصحة الواحدة (One Health)، إذ يحد من انتقال الأمراض بين الإنسان والحيوان. ومن خلال الالتزام بالبرامج الرسمية، يمكن تعزيز الوقاية والقضاء على المزيد من التهديدات الصحية

 

زر الذهاب إلى الأعلى