بحوث ومنظماتبيزنستقاريرخدماتيزراعة

د محسن البطران: مصر تنتقل من فلسفة إدارة ملف الأمن الغذائي إلي التخطيط الإستراتيجي

>>رئيس «زراعة الشيوخ»: ربط جهاز مستقبل مصر مباشرة بالرئاسة ضربة للروتين الحكومي

تشهد الدولة المصرية تحولا جوهرياً في فلسفة إدارة ملف أمنها الغذائي، منتقلة من مرحلة المبادرات المنفردة إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي وتكامل الأدوار المؤسسية. هذا التحول الهيكلي يأتي كحتمية فرضتها التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية، ليعيد صياغة العلاقة بين استصلاح الأراضي، والتصنيع الزراعي، والسياسات المالية للدولة.

وكشف الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، ملامح خريطة الطريق الجديدة للاقتصاد الزراعي المصري، مؤكدا أن خطوة ربط جهاز مستقبل مصر مباشرة برئاسة الجمهورية تمثل ضربة قاصمة للروتين الحكومي، وبداية لعهد جديد من مرونة التنفيذ وتسريع وتيرة الإنجاز لتأمين الاستهلاك المحلي وتعزيز الصادرات.

وأكد رئيس لجنة الزراعة والري في مجلس الشيوخ أهمية أن تضع الدولة يدها على الجرح الحقيقي والترياق لأن الأراضي القديمة بحاجة إلى ثورة تصحيحية تنهي تفتت الحيازات وتدعم الفلاح الصغير، بينما تمثل الأراضي المستصلحة الجديدة الرئة الهيكلية والاقتصادية التي ستتنفس منها مصر لتأمين غذائها وتحديث وجه قطاعها الزراعي بالكامل ليصبح قطاعاً استثمارياً منافساً على الخارطة العالمية.

مرونة القرار السيادي وتفكيك البيروقراطية العتيقة

وقال «البطران»، إن قرار إعادة هيكلة مشروع مستقبل مصر  وربطه المباشر بمؤسسة الرئاسة خطوة ذات أبعاد اقتصادية وتنظيمية عميقة. فطالما عانت المشروعات التنموية الكبرى من تشابك الاختصاصات وتعدد الموافقات بين الوزارات المختلفة، وهو ما كان يتسبب في إبطاء معدلات التنفيذ.

وأضاف رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ إن ربط الجهاز بالرئاسة يمنحه تفويضاً مباشراً يسرع وتيرة اتخاذ القرار ويقلل من الدورة المستندية الإجرائية، مما ينعكس مباشرة على تقليص زمن استصلاح الأراضي وتجهيز البنية التحتية، وهو أمر بالغ الأهمية لسرعة إدخال مساحات جديدة في الدورة الإنتاجية لتأمين الاحتياجات الغذائية العاجلة.

الأمن الغذائي كـ «سلسلة قيمة» متكاملة

وأوضح «البطران»، إن المفهوم التقليدي القاصر للأمن الغذائي ليس بوصفه مجرد زراعة وحصاد، ولكنه يعتمد علي رؤية اقتصادية شاملة تقوم على مفهوم “سلسلة القيمة المضافة”. تبدأ هذه المنظومة بالإنتاج الفعلي، وتمر بمراحل التخزين والنقل اللوجستي، وصولاً إلى التصنيع الغذائي والتصدير، مشيرا إلي إنه لتحقيق هذا الترابط، يرى رئيس لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ ضرورة وجود تنسيق كامل وتناغم استراتيجي بين مشروع “مستقبل مصر” كقوة إنتاجية رائدة، وبين وزارتي الزراعة والتموين كأذرع فنية وتوزيعية ورقابية، حيث يمثل كل طرف ضلعاً رئيسياً لا غنى عنه لإنجاح المنظومة وتحقيق قيمة مضافة تمنع هدر المحاصيل وترشد الاستهلاك.

الدلتا الجديدة ومواجهة الاختناقات الهيكلية للأراضي القديمة

وقارن رئيس لجنة الزراعة والري بين الواقع الزراعي الحالي والمستقبلي، وهو أن القطاع الزراعي لا يزال يواجه تحديات هيكلية مزمنة في الأراضي القديمة بالوادي والدلتا تتركز في تفتت الحيازات الزراعية التي تعوق استخدام الميكنة الحديثة، وارتفاع تكاليف المدخلات والإنتاج، وتراجع الدور التنموي للجمعيات التعاونية، فضلاً عن ضعف العائد الاقتصادي للمزارع البسيط مقارنة بأسعار المستلزمات.

ولفت «البطران» إلي أن مشروع “الدلتا الجديدة”  يأتي كأداة الدولة الرئيسية لمعالجة هذه التحديات التاريخية، حيث يضيف نحو 2.1 مليون فدان إلى الرقعة الزراعية دفعة واحدة. ويتميز هذا المشروع باعتماده بالكامل على تكنولوجيا المياه المعالجة ثلاثيا لتقليص الفجوة المائية الحالية.

وأوضح رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ أن المشروع يرفع كفاءة استخدام الموارد الأرضية والمائية. كما أنه يتجاوز مفهوم الزراعة المجردة عبر إنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية متكاملة تضم مناطق لوجستية وتصنيعية ومؤسسات تعليمية، مما يخلق فرص عمل واسعة ويعزز قدرة الاقتصاد المصري التصديرية.

روشتة الإصلاح الاقتصادي بعد صندوق النقد

ووجه «البطران» رسالة هامة لصناع السياسة المالية والاقتصادية في مصر بشأن ترتيب الأولويات في المرحلة المقبلة، مشدداً على ضرورة أن يضع البرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي المزمع إطلاقه عقب انتهاء برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي ملف الأمن الغذائي في مقدمة أولوياته كونه الركيزة الأساسية لحماية الأمن القومي ومواجهة التقلبات السعرية والجيوسياسية العالمية.

وأشار رئيس لجنة  الزراعة والري في مجلس الشيوخ إلي  أن الاقتصاد المصري يواجه ضغوطاً هيكلية متمثلة في أسعار الفائدة المرتفعة، وفاتورة الأجور المتصاعدة، وملف الدعم والتعامل مع هذه التحديات يتطلب تحسين كفاءة إدارة الموارد وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة عبر الصندوق السيادي بالتعاون مع الدور التنموي لمشروع “مستقبل مصر”، مما يسهم في تحسين التوازنات المالية للدولة وفتح الباب على مصراعيه لزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى