المياهبحوث ومنظماتبيزنستقاريرخدماتيزراعة

رئيس «زراعة الشيوخ»: الأمن الغذائي في مصر انتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل

>>البطران: الانفلات الأمني بعد 2011 هدد الزراعة.. والدولة واجهت التحديات بالتوسع الأفقي والرأسي ومشروعات قومية غير مسبوقة

كشف الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، عن رؤية شاملة لتطور القطاع الزراعي المصري، مؤكداً أن السنوات التي أعقبت أحداث يناير 2011 شهدت تحديات غير مسبوقة أثرت على منظومة الزراعة، قبل أن تبدأ الدولة منذ عام 2014 في تنفيذ برنامج إصلاحي واسع لإعادة بناء القطاع وتحويله إلى أحد أهم محركات الاقتصاد والأمن الغذائي.

وقال «البطران» ، في تصريحات صحفية، أن القطاع الزراعي واجه أربع أزمات رئيسية تمثلت في تصاعد التعديات على الأراضي الزراعية، واضطراب منظومة توزيع الأسمدة المدعمة، وتراجع الصادرات الزراعية، وغياب قواعد بيانات دقيقة تساعد على التخطيط، وهو ما استدعى تدخلاً شاملاً لإعادة هيكلة القطاع.

4 ملفات خطيرة هددت الزراعة المصرية

أكد رئيس لجنة الزراعة والري في مجلس الشيوخ أن الانفلات الأمني خلال الفترة من 2011 إلى 2013 انعكس بصورة مباشرة على القطاع الزراعي، حيث ارتفعت معدلات البناء على الأراضي الزراعية، وظهرت اختلالات كبيرة في توزيع مستلزمات الإنتاج، كما تراجعت قدرة الدولة على التخطيط نتيجة غياب قاعدة بيانات حديثة، فضلاً عن تأثر حركة الصادرات الزراعية.

وأصاف «البطران» أن هذه التحديات دفعت القيادة السياسية إلى إطلاق برنامج إصلاح زراعي متكامل يقوم على زيادة الإنتاج، وتحقيق الأمن الغذائي، ورفع تنافسية الصادرات المصرية، مع إنشاء كيانات جديدة لإدارة مشروعات التوسع الزراعي.
نصيب المواطن من الأرض الزراعية.. رحلة تراجع مستمرة
واستعرض رئيس «زراعة الشيوخ » تطور نصيب الفرد من الأراضي الزراعية عبر التاريخ، موضحاً أنه بلغ نحو نصف فدان، أي ما يقرب من 2100 متر مربع، في عهد محمد علي باشا، ثم انخفض إلى نحو ألف متر مربع عام 1960، وتراجع إلى 400 متر عام 2009، ثم إلى نحو 280 متراً عام 2014، محذراً من استمرار هذا التراجع مع الزيادة السكانية إذا لم تستمر مشروعات التوسع الزراعي.

وأضاف «البطران »أن مواجهة هذه الأزمة لا تعتمد فقط على استصلاح الأراضي الجديدة، وإنما أيضاً على رفع إنتاجية الفدان من خلال البحث العلمي واستنباط أصناف عالية الإنتاجية وأكثر تحملاً للتغيرات المناخية.
البحث العلمي.. كلمة السر في زيادة إنتاج القمح
وأكد رئيس «زراعة الشيوخ » أن التطور الذي حققته مصر في إنتاج القمح يمثل نموذجاً واضحاً لدور البحث العلمي، مشيراً إلى جهود العالم الراحل الدكتور عبد السلام جمعة وفريقه بمركز البحوث الزراعية في رفع متوسط إنتاجية الفدان من 12 أردباً إلى نحو 18 أردباً، بما يعادل زيادة طن كامل للفدان.
وأوضح «البطران » أن هذه الزيادة أسهمت في رفع إنتاج القمح بنحو ثلاثة ملايين طن، اعتماداً على التقاوي المحسنة والحقول الإرشادية، الأمر الذي عزز الأمن الغذائي وخفف الاعتماد على الاستيراد.
مؤشرات الاكتفاء الذاتي.. تحسن تدريجي في المحاصيل الاستراتيجية

وأشار رئيس لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح ارتفعت إلى نحو 47%، فيما بلغت نحو 50% في الذرة، ووصلت إلى قرابة 70% في السكر بعد التوسع في زراعة بنجر السكر، بينما تعمل الدولة على مضاعفة إنتاج الزيوت النباتية التي لا يزال الاكتفاء الذاتي منها منخفضاً..

وأضاف رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ أن واردات اللحوم شهدت تراجعاً مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن مصر لا تزال تستورد جانباً مهماً من احتياجاتها الغذائية، وهو ما يفرض استمرار خطط التوسع الزراعي والإنتاج الحيواني.

أزمة الأسمدة.. من السوق السوداء إلى الرقمنة

ووصف «البطران» ما شهدته منظومة توزيع الأسمدة بين عامي 2011 و2013 بأنه “مهزلة بكل المقاييس”، نتيجة الفساد الإداري وغياب الرقابة، ما أدى إلى ظهور سوق سوداء وحرمان مستحقي الدعم موضحا أن الدولة بدأت تنفيذ منظومة جديدة تعتمد على التعداد الزراعي والرقمنة لضمان وصول الأسمدة إلى المزارعين الحقيقيين، مع ضرورة إعادة الدور التاريخي للجمعيات التعاونية في الإرشاد الزراعي، وتسويق المحاصيل، وتوفير مستلزمات الإنتاج.

%80 من المزارعين يمتلكون أقل من فدان
وأكد رئيس «زراعة الشيوخ » أن صغر الحيازات الزراعية يمثل أحد أكبر التحديات، موضحاً أن نحو 80% من المزارعين يمتلكون أقل من فدان، بينما يمتلك نحو 85% منهم فداناً أو فدانين فقط، وهو ما يحد من استخدام التكنولوجيا الحديثة ويؤثر على الكفاءة الاقتصادية للإنتاج.

وشدد «البطران » على ضرورة تحسين دخل الفلاح، باعتباره الحل الحقيقي للحد من التعديات على الأراضي الزراعية، موضحاً أن المزارع لن يستمر في الإنتاج إذا لم يحقق عائداً اقتصادياً يغطي تكاليف الزراعة.
القطاع الزراعي.. مساهمة متزايدة في الاقتصاد الوطني
وأشار رئيس لجنة الزراعة والري في مجلس الشيوخ إلى أن القطاع الزراعي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري، حيث يسهم بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع مساهمته إلى ما بين 16 و17% خلال السنوات المقبلة موضحا أن قيمة الاستثمارات الزراعية تجاوزت 73 مليار جنيه، بينما يعمل في القطاع نحو ربع قوة العمل المصرية، ويؤدي القطاع الخاص دوراً رئيسياً في توفير الغذاء لأكثر من 60% من السكان.
الدلتا الجديدة.. مشروع لتغيير خريطة الزراعة المصرية
وأكد «البطران» أن مشروع الدلتا الجديدة يمثل أكبر مشروع تنموي زراعي في تاريخ مصر الحديث، لاعتماده على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها معالجة ثلاثية، بما يسهم في توفير ما يقرب من 21 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وزراعة نحو 2.1 مليون فدان، إلى جانب إقامة مجتمعات عمرانية وصناعية متكاملة موضحا أن المشروع يعالج جانباً كبيراً من الفجوة المائية التي تعاني منها مصر، في ظل احتياجات مائية تقترب من 88 مليار متر مكعب، مقابل موارد مائية متاحة تبلغ نحو 66 مليار متر مكعب.

التركيب المحصولي.. الطريق إلى الأمن الغذائي

ولفت. رئيس «زراعة الشيوخ » إلى أن تحقيق الأمن الغذائي لا يعني زراعة جميع المحاصيل في كل المناطق، وإنما يعتمد على تطبيق مفهوم “الميزة النسبية”، بحيث تزرع المحاصيل التي تحقق أعلى إنتاجية في كل منطقة، مع التوسع في تصدير المحاصيل التي تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية، مثل الفاكهة والنباتات الطبية والعطرية، بما يوفر عملة أجنبية تساعد في استيراد السلع التي يصعب إنتاجها محلياً..

الكلاب الضالة.. ملف يحتاج إلى منظومة وطنية

وفي سياق آخر، وصف «البطران» أزمة الكلاب الضالة بأنها من الملفات التي تتطلب تحركاً حكومياً عاجلاً، مشيراً إلى أن اللجنة عقدت اجتماعات مع هيئة الخدمات البيطرية ووزارة التنمية المحلية لمناقشة الظاهرة، خاصة بعد تزايد حوادث العقر في عدد من المحافظات.

وأوضح أن معالجة المشكلة تحتاج إلى سياسة متكاملة تشمل مكافحة مصادر الغذاء العشوائية، وإنشاء أماكن إيواء، والتطعيم، والتعقيم، إلى جانب رفع كفاءة منظومة النظافة العامة، مؤكداً أن التعامل مع الملف يجب أن يوازن بين حماية المواطنين والاعتبارات الصحية والبيئية.

واختتم رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الزراعة المصرية يرتبط باستمرار الاستثمار في البحث العلمي، وحماية الأراضي الزراعية، ورفع كفاءة إدارة المياه، وتعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع الزراعي، بما يعزز قدرة مصر على تحقيق أمنها الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات في السنوات المقبلة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى