نقيب الزراعيين: حادث أطفال الإسماعيلية جرس إنذار لإعادة تنظيم العمالة بالمزارع التصديرية
>> خليفة: الشركات الملتزمة ستكون الأكثر تضررا.. وسلامة العامل أصبحت جزءًا من قدرة المنتج المصري على المنافسة أوروبيا

أكد الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، أن القراءة التحليلية لحادث أطفال الإسماعيلية لا ينبغي أن تقتصر على كونه حادثا مروريا أو قضية مرتبطة بالعمالة اليومية، وإنما يجب التعامل معه باعتباره جرس إنذار للقطاع الزراعي التصديري بأكمله، بما يستدعي دورا أكبر للدولة المصرية في الرقابة على مدى التزام شركات ومزارع التصدير بالمعايير الدولية.
وقال «خليفة» فب تصريحات صحفية إن الشركات الزراعية المحترمة والملتزمة ستكون، الأكثر تأثرا بتداعيات الحادث، لأنها تتحمل بالفعل تكاليف تطبيق معايير السلامة والجودة والتتبع وحماية العمال، حفاظا على سمعتها وعلاماتها التجارية في الأسواق المحلية والدولية.
وشدد نقيب الزراعيين على أن إعادة ترتيب منظومة السلامة المجتمعية في القطاع الزراعي ليست عبئا على الاقتصاد، وإنما إحدى أدوات الاستقرار الاقتصادي وحماية الاستثمارات والصادرات المصرية موضحا أن المنافسة على السوق الأوروبية لم تعد تعتمد فقط على جودة المنتج الزراعي، وإنما أصبحت مرتبطة بجودة منظومة إنتاجه بالكامل.
وأضاف «خليفة » أن المزارع المصرية المصدرة مطالبة اليوم بأن تجيب عن سؤال يتجاوز مدى مطابقة المحصول للمواصفات الفنية، وهو هل تستطيع المزرعة أن تثبت أن المنتج مطابق للمواصفات، وأن الإنسان الذي أنتجه عمل في ظروف قانونية وآمنة ويمكن تتبعها مؤكدا أن هذه أصبحت المعادلة الجديدة للصادرات الزراعية، والتي تجمع بين سلامة الغذاء، وسلامة العامل، والتتبع، وحقوق الإنسان، والقدرة على المنافسة في السوق الأوروبية.
وأشار نقيب الزراعيين إلى أن حادث الإسماعيلية، في حد ذاته، لا يعني أن الاتحاد الأوروبي سيمنع دخول الحاصلات الزراعية المصرية، إلا أن تداعياته قد تدفع المستوردين وشركات التجزئة وجهات التدقيق إلى إيلاء اهتمام أكبر بالملف الاجتماعي داخل المزارع المصرية موضحا إن أي واقعة موثقة تتعلق بعمالة الأطفال أو ظروف العمل غير الآمنة، إذا ارتبطت بمزرعة أو سلسلة توريد تصديرية، يمكن أن تتحول من قضية محلية إلى قضية تجارية تؤثر على سمعة المنتج المصري.
ولفت «خليفة» الي أن التأثير قد يبدأ من المستورد الأوروبي نفسه، الذي يمكن أن يطلب من المورد المصري ضمانات إضافية وشهادات اجتماعية وسجلات أكثر تفصيلًا، موضحا أن الخطر قد لا يكون في صدور قرار أوروبي رسمي بمنع الصادرات، وإنما في أن يصبح المصدر المصري أقل قدرة على المنافسة إذا لم يستطع إثبات التزامه بالمعايير الاجتماعية التي يطلبها المشترون.
وأوضح نقيب الزراعيين أن المستهلك الأوروبي لم يعد يريد فقط معرفة الدولة التي جاء منها المنتج، وإنما يهتم بصورة متزايدة بالظروف التي تم فيها إنتاجه مشيرا الي إن هذا يضع مفهوما جديدا أمام الصادرات الزراعية المصرية، هو «قصة المنتج» مشيرا إلي أن المنتج الزراعي الذي يصل إلى رف المتجر الأوروبي لم يعد مجرد سلعة، وإنما أصبح له سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من التقاوي، مرورًا بالتربة والمياه والمبيدات، ثم العمالة والحصاد والتعبئة والتبريد والنقل، وصولًا إلى المستهلك.
وأكد «خليفة» أن أي حلقة ضعيفة في هذه السلسلة يمكن أن تؤثر على الصورة الكاملة للمنتج المصري و أن أحد أكثر الملفات احتياجا إلى التنظيم هو ملف العمالة الزراعية الموسمية، خاصة أن بعض المزارع تحتاج خلال مواسم الحصاد إلى أعداد كبيرة من العمال في فترات زمنية قصيرة، فتستعين بعمالة مؤقتة أو بمقاولين لتوفير العمال.
وقال نقيب الزراعيين إن المشكلة قد تنشأ عندما توجد فجوة بين البيانات الموجودة لدى المزرعة وبين الواقع الفعلي للعمالة داخل الحقل موصحا أن المزرعة قد تكون ملتزمة تماما تجاه عمالها الدائمين، لكنها لا تمتلك معلومات كافية عن أعمار العمال الذين أحضرهم مقاول العمالة، أو عن هوياتهم أو ظروف نقلهم أو ساعات عملهم.
وأكد «خليفة» أن هذه الثغرات يمكن أن تتحول إلى مشكلة كبيرة أمام المدقق أو المستورد الأوروبي مشددا على أن ملف أعمار العمال يجب أن يحظى باهتمام خاص داخل المزارع التصديرية، لأن المعايير الاجتماعية لا تتعامل مع تشغيل الأطفال باعتباره مجرد مخالفة قانونية، وإنما باعتباره قضية حقوق إنسان يمكن أن تؤثر على سمعة سلسلة التوريد بالكامل.
وأوضح نقيب الزراعيين أن العمال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما يجب ألا يتعرضوا للأعمال الزراعية الخطرة، وأن الأمر يصبح أكثر حساسية عند التعامل مع المبيدات والأسمدة والآلات والمعدات الزراعية أو غيرها من مصادر الخطر مشيىا الي أن وجود عامل صغير السن داخل مزرعة تصديرية قد لا يمثل فقط مشكلة عمالية، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة تتعلق بالامتثال لمتطلبات السوق المستهدف.
ولفت «خليفة» الي اهمية ان تعرف مختلف الاسواق الدولية مدي التزام شركات التصدير الزراعي بمختلف معايير «الجلوبال جاب» وأن هذا الالتزام في منظومة التصدير الحديثة يجب أن يكون موثقا، من خلال بيانات واضحة لجميع العاملين، ومستندات تثبت الأعمار، وسجلات للعمالة الموسمية، وبيانات العمال الذين يتم توفيرهم عن طريق المقاولين، ونظام واضح لمنع تشغيل الأطفال.
وشدد نقيب الزراعيين علي انه يجب أن تتضمن المنظومة تحديدا واضحا للأعمال المسموح بها للعمال الشباب، وسجلات ساعات العمل والأجور، وإجراءات الصحة والسلامة المهنية، ونظاما آمنا لنقل العمال، وتدريب العاملين على المخاطر المرتبطة بالمبيدات والمعدات، إلى جانب القدرة على تتبع العمالة التي شاركت في عمليات الإنتاج والحصاد مؤكدا أن العمالة الموسمية يجب أن تصبح جزءا من نظام التتبع الزراعي، وليس مجرد رقم في كشف الأجور.
ودعا «خليفة» إلى دراسة إنشاء «سجل اجتماعي» موحد لكل مزرعة تصديرية، إلى جانب ملفات سلامة الغذاء والتتبع موضحا أن هذا السجل يمكن أن يتضمن بيانات العمال الدائمين والموسميين، وأعمارهم، وطبيعة الأعمال التي يقومون بها، وساعات العمل، وبيانات المقاولين، ووسائل نقل العمال، وبرامج التدريب والسلامة المهنية موضحا إن وجود هذا السجل سيمنح المزرعة التصديرية قدرة أكبر على الإجابة أمام أي جهة تدقيق عن أسئلة أساسية، حول من عمل في هذه المزرعة ومتى وفي أي وظيفة وتحت أي شروط في اطار المصداقية والشفافية لدعم القطاع الزراعي والصادرات الزراعية.
وأكد نقيب الزراعيين أن حادث الإسماعيلية يجب ألا يتحول إلى أزمة مؤقتة تنتهي بانتهاء التحقيقات، وإنما إلى فرصة لإعادة تنظيم ملف العمالة الزراعية الموسمية في مصر مشددا على ضرورة وجود منظومة واضحة تحدد من يشغل العامل، ومن يتحمل مسؤوليته، ومن ينقله، ومن يتحقق من عمره، ومن يتأكد من سلامته، ومن يتحمل المسؤولية إذا كان العامل تابعا لمقاول.
وأشار «خليفة» إلى أن مصر، إذا كانت تستهدف زيادة صادراتها الزراعية إلى الأسواق الأوروبية، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تصبح جزءا أصيلا من منظومة التصدير مؤكدا على أن حماية العامل الزراعي ليست تكلفة إضافية على القطاع، وإنما استثمار في استدامة الإنتاج وحماية سمعة الصادرات المصرية، وأن إعادة ترتيب منظومة السلامة المجتمعية تمثل في الوقت نفسه حماية للإنسان، ودعمًا للاستقرار الاقتصادي، وتعزيزا لقدرة الشركات المصرية الملتزمة على المنافسة في الأسواق العالمية.





