بيزنستقاريرحوارات و مقالاتخدماتيزراعة

د علي اسماعيل يكتب :شراكة وطنية ترسم ملامح مستقبل الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة… عن مؤتمر البحوث الزراعية احدثكم

أستاذ إدارة الأراضي والمياه – مركز البحوث الزراعية – مصر

لم يعد تحقيق الأمن الغذائي في عالم اليوم خيارًا تنمويًا، بل أصبح قضية أمن قومي ترتبط باستقرار الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات العالمية والتغيرات المناخية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، وضعت الدولة المصرية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي القطاع الزراعي في صدارة أولوياتها، باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة الدولة على توفير غذاء آمن ومستدام للأجيال الحالية والقادمة.

وفي إطار هذه الرؤية، جاءت النسخة الثانية من مؤتمر ومعرض مركز البحوث الزراعية، التي افتتحها معالي السيد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، لتؤكد أن مصر تمتلك منظومة علمية وبحثية قادرة على قيادة التنمية الزراعية، وأن التكامل بين مؤسسات الدولة والبحث العلمي والقطاع الخاص أصبح ضرورة وطنية لتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030 وبناء الجمهورية الجديدة.

لقد تجاوز المؤتمر والمعرض مفهوم الفعاليات العلمية التقليدية، ليصبح منصة وطنية للحوار والتكامل بين العلماء والباحثين والجامعات والشركات الوطنية والمستثمرين والمنتجين، بهدف تحويل نتائج البحوث العلمية إلى تطبيقات عملية، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

البحث العلمي… قاطرة التنمية الزراعية

أكد المؤتمر أن البحث العلمي الزراعي يمثل حجر الأساس في بناء مستقبل الزراعة المصرية، وأن مركز البحوث الزراعية، بما يضم من معاهد ومعامل مركزية وخبرات علمية متميزة، يؤدي دورًا محوريًا في استنباط الأصناف الجديدة، وتطوير التقنيات الحديثة، وتحسين إدارة الأراضي والمياه، ومواجهة الآفات والأمراض، ودعم الإنتاج النباتي والحيواني والسمكي، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحقيق الأمن الغذائي.

وقد عكس المعرض حجم الإمكانات العلمية التي يمتلكها المركز، حيث عرضت المعاهد والمعامل المركزية عشرات الابتكارات والتطبيقات البحثية التي تؤكد أن الباحث المصري قادر على تقديم حلول واقعية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي.

القطاع الخاص… شريك التنمية

جاءت المشاركة المتميزة للشركات الوطنية والقطاع الخاص لتؤكد أن الاستثمار الزراعي لم يعد قائمًا على الإنتاج فقط، بل أصبح استثمارًا في المعرفة والابتكار ونقل التكنولوجيا.

وقد عرضت الشركات أحدث ما توصلت إليه من تقنيات في مجالات التقاوي، والأسمدة، والمخصبات، والميكنة الزراعية، وأنظمة الري الحديثة، والتعبئة والتغليف، والتصنيع الغذائي، والحلول الرقمية، بما يعكس التطور الكبير الذي يشهده القطاع الزراعي المصري.

وأثبتت هذه المشاركة أن الشراكة بين القطاع الخاص ومركز البحوث الزراعية تمثل أحد أهم محركات التنمية، لأنها تضمن انتقال نتائج البحوث من المعامل إلى الحقول، وتحويل الأفكار العلمية إلى منتجات وخدمات ترفع الإنتاجية، وتحسن الجودة، وتدعم القدرة التنافسية للزراعة المصرية.

مشاركة نوعية تعكس ثقة القطاع الخاص في البحث العلمي المصري

ومن أبرز مؤشرات نجاح النسخة الثانية من مؤتمر ومعرض مركز البحوث الزراعية المشاركة الواسعة لأكثر من 75 جهة وشركة ومؤسسة، مثلت مختلف قطاعات الإنتاج الزراعي والغذائي، إلى جانب عدد من الجهات الدولية والمؤسسات الداعمة للتنمية الزراعية، في مشهد يعكس الثقة المتزايدة في الدور الذي يؤديه مركز البحوث الزراعية باعتباره بيت الخبرة العلمي الأول في مصر.

وضم المعرض عددًا من الشركات الوطنية والدولية الرائدة، وفي مقدمتها شركة نيوهوب الصينية للأعلاف (New Hope)، إحدى أكبر الشركات العالمية في صناعة الأعلاف والإنتاج الحيواني، وشركة مودرن ماشينري المتخصصة في الآلات والمعدات والميكنة الزراعية، والشركة المصرية الفرنسية للزراعات النسيجية، إلى جانب نخبة متميزة من الشركات العاملة في مجالات الأدوية البيطرية، والأسمدة والمخصبات، والبذور والتقاوي، والتصنيع الغذائي، والري الحديث، والتكنولوجيا الزراعية، فضلًا عن مشاركة المؤسسات الدولية، وجهات التمويل الزراعي، وصندوق التأمين على الثروة الحيوانية، وغيرها من الجهات الداعمة للاستثمار والتنمية.

ولم تقتصر هذه المشاركة على عرض المنتجات والتقنيات الحديثة، بل امتدت إلى تبادل الخبرات، وطرح فرص التعاون والاستثمار، وفتح قنوات مباشرة للتواصل بين الباحثين والشركات والمستثمرين، بما يسهم في تسريع نقل التكنولوجيا الزراعية إلى أرض الواقع، وتعظيم الاستفادة من نتائج البحوث العلمية، وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية ذات قيمة اقتصادية.

وقد بعث هذا الحضور الكبير برسالة واضحة مفادها أن القطاع الخاص أصبح شريكًا استراتيجيًا في منظومة البحث العلمي الزراعي، وأن الثقة المتبادلة بين مركز البحوث الزراعية والشركات الوطنية والدولية تمثل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد زراعي أكثر قدرة على المنافسة، وزيادة الصادرات الزراعية، وتحقيق قيمة مضافة للناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي، بما يدعم جهود الجمهورية الجديدة في تحقيق التنمية الزراعية المستدامة والأمن الغذائي.

منصة للحوار بين العلم والإنتاج

ومن أهم ما ميز النسخة الثانية من المؤتمر والمعرض أنه لم يقتصر على عرض الابتكارات، بل تحول إلى منصة علمية متكاملة لنقل المعرفة وبناء جسور التواصل بين الباحثين والمنتجين والمستثمرين.

فعلى مدار ثلاثة أيام، شهد المعرض برنامجًا علميًا ثريًا، شاركت فيه الشركات الراعية والعارضة إلى جانب معاهد ومعامل مركز البحوث الزراعية، حيث قُدمت سلسلة من المحاضرات التطبيقية المتخصصة التي تناولت أحدث المستجدات في مجالات الاستزراع السمكي، والإنذار المبكر لأمراض النبات، والأمن الحيوي، والتعبئة والتغليف، واقتصاديات زراعة نخيل التمر، إلى جانب أحدث التقنيات في إنتاج التقاوي، والأسمدة، والميكنة الزراعية، والزراعة الذكية مناخيًا.

وقد أتاحت هذه المحاضرات حوارًا مباشرًا بين العلماء والخبراء وممثلي الشركات والمزارعين والمنتجين، وأسهمت في تقديم حلول عملية للتحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي، وعززت ثقة الزائرين في القدرات العلمية لمركز البحوث الزراعية، وفي قدرة الباحث المصري على تقديم حلول مبتكرة قابلة للتطبيق، بما يخدم التنمية الزراعية ويعزز التعاون مع القطاع الخاص.

مواجهة التغيرات المناخية

أكدت جلسات المؤتمر أن التغيرات المناخية أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه الزراعة، وأن مواجهتها تتطلب الاعتماد على البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة.

وفي هذا السياق، استعرض مركز البحوث الزراعية جهوده في استنباط أصناف تتحمل الحرارة والجفاف والملوحة، وتطوير نظم الري الحديث، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والتوسع في تطبيقات الزراعة الذكية مناخيًا، بينما عرضت الشركات الوطنية أحدث الحلول والتقنيات التي تساعد على رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد وترشيد استخدام الموارد الطبيعية.

الصادرات الزراعية… ثمرة التكامل

لقد أثبتت التجربة المصرية أن نجاح الصادرات الزراعية هو نتاج مباشر للتكامل بين البحث العلمي والقطاع الخاص والجهات التنفيذية.

فقد أسهمت الأصناف الجديدة، وتطبيقات الممارسات الزراعية الجيدة، وتحسين جودة الإنتاج، والالتزام بالاشتراطات الدولية، وتطوير منظومة التعبئة والتغليف، في تعزيز تنافسية المنتجات الزراعية المصرية وفتح أسواق جديدة، بما أدى إلى زيادة العائد من العملة الصعبة، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، ودعم الاقتصاد الوطني.

رؤية للمستقبل

إن النجاح الكبير الذي حققته النسخة الثانية من مؤتمر ومعرض مركز البحوث الزراعية يؤكد أن المستقبل الزراعي في مصر يقوم على ثلاث ركائز رئيسية: البحث العلمي، والقطاع الخاص، والإرادة السياسية الداعمة للتنمية.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، وإنشاء حاضنات للابتكار، وربط مخرجات البحوث بالتصنيع الزراعي والأسواق، بما يحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويعزز قدرة الدولة المصرية على تحقيق الأمن الغذائي في ظل التحديات العالمية.

كلمة وفاء وتقدير

وفي ختام هذا المقال، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى معالي السيد علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، على دعمه المستمر للبحث العلمي الزراعي، ورعايته الكريمة لمؤتمر ومعرض مركز البحوث الزراعية في نسخته الثانية، وإيمانه بأن الاستثمار في البحث العلمي هو الطريق نحو تحقيق التنمية الزراعية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي.

كما أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ الدكتور عادل عبد العظيم، رئيس مركز البحوث الزراعية، الذي قاد هذا الحدث العلمي الكبير برؤية طموحة وجهد مخلص، فخرج المؤتمر والمعرض بصورة مشرفة تعكس مكانة مركز البحوث الزراعية وريادته العلمية، وتبرز قدرات علمائه وباحثيه في خدمة الزراعة المصرية.

ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى السادة نواب رئيس المركز، ومديري المعاهد والمعامل المركزية، والباحثين، وأعضاء اللجان المنظمة، والشركات الوطنية الراعية والعارضة، وجميع المشاركين الذين قدموا نموذجًا مشرفًا للتكامل بين البحث العلمي والإنتاج والاستثمار.

لقد أثبتت النسخة الثانية من مؤتمر ومعرض مركز البحوث الزراعية أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العلم، وأن الشراكة بين الدولة والبحث العلمي والقطاع الخاص هي الضمانة لبناء منظومة زراعية حديثة قادرة على تحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات، وتعظيم الناتج المحلي، ودعم الاقتصاد الوطني.

حفظ الله مصر، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها الرشيدة إلى مواصلة مسيرة البناء والتنمية، لتظل الزراعة المصرية ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة وتحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى