د ابراهيم الاخضر يكتب : لماذا تختلف نتائج التسميد الحيوي من مزرعة إلى أخرى؟

أستاذ الميكروبيولوجي- معهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة- مركز البحوث الزراعية-مصر
شهد استخدام المخصبات الحيوية توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الاهتمام بالزراعة المستدامة وتقليل الاعتماد على الأسمدة المعدنية. ورغم أن العديد من المزارعين يستخدمون المنتج نفسه وبالجرعات الموصى بها، فإن النتائج قد تختلف بصورة واضحة من حقل إلى آخر، بل وأحيانًا بين أجزاء المزرعة الواحدة. ويؤكد المتخصصون أن هذا التفاوت لا يرجع دائمًا إلى جودة المخصب الحيوي، وإنما إلى مجموعة من العوامل البيئية والإدارية التي تتحكم في قدرة الكائنات الدقيقة على الاستقرار والنشاط داخل التربة.
وتشير الدراسات إلى أن نجاح المخصبات الحيوية يعتمد على تفاعل معقد بين الكائنات الدقيقة والبيئة المحيطة والجذور، لذلك فإن فهم هذه العوامل يمثل خطوة أساسية لتحقيق أقصى استفادة من برامج التسميد الحيوي.
اختلاف خواص التربة
تُعد التربة العامل الأول الذي يحدد كفاءة المخصبات الحيوية. فالتربة تختلف في قوامها، ودرجة حموضتها (pH)، ومحتواها من المادة العضوية، ومستوى الرطوبة والتهوية، وجميعها عوامل تؤثر بصورة مباشرة على نشاط الكائنات الدقيقة. فعلى سبيل المثال، تساعد التربة جيدة التهوية والغنية بالمادة العضوية على زيادة أعداد الكائنات النافعة واستمرار نشاطها لفترات أطول، بينما قد تحد الترب شديدة الملوحة أو منخفضة المادة العضوية من قدرتها على الاستقرار والتكاثر. وتوضح المراجع العلمية أن توافق المخصب الحيوي مع ظروف التربة يعد أحد أهم محددات نجاحه، بغض النظر عن جودة المنتج المستخدم.
الظروف المناخية وتأثيرها على الكائنات الدقيقة
تلعب الظروف الجوية دورًا مهمًا في كفاءة التسميد الحيوي، إذ تتأثر الكائنات الدقيقة بدرجات الحرارة والرطوبة بشكل مباشر. فارتفاع درجات الحرارة بصورة كبيرة قد يقلل من نشاط بعض السلالات الميكروبية، كما أن جفاف التربة لفترات طويلة يحد من قدرتها على الانتشار حول الجذور. وعلى الجانب الآخر، فإن تشبع التربة بالمياه لفترات ممتدة قد يقلل من نسبة الأكسجين اللازمة لنشاط العديد من الكائنات الهوائية. لذلك توصي برامج الإدارة المتكاملة للمغذيات بمراعاة الظروف المناخية عند تحديد موعد إضافة المخصبات الحيوية لتحقيق أفضل استجابة ممكنة.
اختلاف احتياجات المحاصيل
ليست جميع المحاصيل متشابهة في استجابتها للمخصبات الحيوية، إذ تختلف طبيعة المجموع الجذري، وسرعة النمو، واحتياجات العناصر الغذائية من محصول إلى آخر. فالمحاصيل البقولية، على سبيل المثال، تستجيب بصورة كبيرة للبكتيريا المثبتة للنيتروجين نتيجة العلاقة التكافلية التي تتكون داخل العقد الجذرية، بينما تعتمد المحاصيل الأخرى على أنواع مختلفة من الكائنات الدقيقة لتحسين امتصاص العناصر أو تنشيط نمو الجذور. ولهذا فإن اختيار المخصب الحيوي المناسب لكل محصول يعد من أهم عواملنجاح برنامج التسميد.
الكائنات الدقيقة الطبيعية الموجودة بالتربة
تحتوي معظم الأراضي الزراعية بطبيعتها على أعداد كبيرة من الكائنات الدقيقة النافعة، إلا أن تركيب هذه المجتمعات الميكروبية يختلف من تربة إلى أخرى. وفي بعض الحالات قد تكون الكائنات المحلية أكثر قدرة على المنافسة من السلالات المضافة، بينما قد تنجح السلالات الجديدة في الاستقرار داخل أنواع أخرى من الأراضي، وهو ما يفسر اختلاف النتائج أحيانًا رغم استخدام نفس المنتج. تشير الدراسات الحديثة في علم الأحياء الدقيقة الزراعية إلى أن التوازن الميكروبي داخل التربة يعد أحد العوامل الرئيسية التي تحدد كفاءة المخصبات الحيوية.
جودة المنتج وطريقة التداول
رغم أهمية العوامل البيئية، تظل جودة المنتج نفسه عاملًا أساسيًا في نجاح التسميد الحيوي. فقد يؤدي انخفاض أعداد الكائنات الدقيقة الحية، أو سوء التخزين، أو انتهاء فترة الصلاحية، أو التعرض لدرجات حرارة مرتفعة أثناء النقل، إلى انخفاض الكفاءة قبل وصول المنتج إلى الحقل. ولهذا توصي الجهات البحثية بضرورة شراء المخصبات الحيوية من مصادر موثوقة، والالتزام بتعليمات التخزين والنقل والاستخدام الواردة من الشركة المنتجة.
الخاتمة
لا توجد وصفة واحدة تحقق النجاح في جميع الحقول، فالمخصبات الحيوية تعمل داخل نظام بيئي معقد يتأثر بالتربة والمناخ والمحصول والإدارة الزراعية. ولذلك فإن اختلاف النتائج بين مزرعة وأخرى لا يعني بالضرورة ضعف المنتج، بل قد يكون انعكاسًا لاختلاف ظروف التطبيق. ويظل الاستخدام العلمي القائم على فهم خصائص التربة واحتياجات النبات هو الطريق الأمثل للاستفادة الكاملة من إمكانات التسميد الحيوي.




