د هالة أبو يوسف تكتب : لجنة مبيدات الآفات الزراعية تترجم الشراكة المصرية الصينية إلى تعاون تنفيذي

مقال أ.د. هالة محمد أبو يوسف رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية
تأتي الزيارة الرسمية للرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى العاصمة المصرية القاهرة، لتسطر فصلاً جديداً ومشرقاً في سجل العلاقات التاريخية بين البلدين، وما حملته هذه الزيارة من تصريحات حول “إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد عقود من التآزر والتضامن”، يؤكد أن العلاقات المصرية – الصينية تشهد حالياً نقلة نوعية مهمة.
وتتجه هذه المرحلة بصورة متزايدة نحو تحويل التفاهم السياسي بين القاهرة وبكين إلى تعاون اقتصادي وصناعي وتكنولوجي قابل للتنفيذ، بما يدعم خطط التنمية ويعزز قدرة القطاعات الإنتاجية على الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيات الصينية المتقدمة.
إن الرؤية التي طرحها الرئيس الصيني، والتي شدد فيها على المضي قدماً نحو تعزيز التعاون التنموي ونقل التكنولوجيا الحديثة، تفتح المجال أمام مجالات أوسع للتعاون العملي بين البلدين، خاصة في القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تستفيد من نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وبناء القدرات المحلية.
وتأتي الزراعة ضمن القطاعات التي تحظى بأهمية خاصة في هذا المسار، في ظل ما تمثله من ركيزة أساسية للأمن الغذائي، وما يرتبط بها من صناعات ومستلزمات إنتاج وتكنولوجيات حديثة يمكن أن تشكل مجالاً واعداً للتعاون المصري الصيني.
وفي هذا السياق، تحركت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وفقا لتعليمات معالي الوزير علاء فاروق، الذي وجه لجنة مبيدات الآفات الزراعية، بتفعيل هذا التوجه على المستوى الفني والتنفيذي وبناء قنوات تعاون مباشرة مع المؤسسات الصينية المتخصصة، بدءاً من مشاركة اللجنة في فعاليات مؤتمر مدينة “شيجياتشوانغ” الصينية، والذي عُقد بالقاهرة في يوليو الماضي ضمن الاحتفال بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وشهد حضوراً واسعاً لمسؤولين حكوميين ورجال أعمال وممثلي مؤسسات اقتصادية بهدف تعزيز التعاون الاستثماري والزراعي بين البلدين.
وتواصل هذا المسار في أغسطس الماضي باستقبال لجنة مبيدات الآفات الزراعية وفداً رفيع المستوى من معهد الرقابة على الكيماويات الزراعية الصيني “أيكاما”، حيث شهدت الزيارة مباحثات فنية مكثفة تناولت مجموعة من الملفات المرتبطة بتطوير منظومة المبيدات في مصر والاستفادة من الخبرة الصينية في مجالات التصنيع والرقابة والتسجيل والتكنولوجيا الحديثة.
وقد حظيت هذه التحركات برعاية ومتابعة مباشرة من السيد / علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، الذي وجه بأهمية تعظيم الاستفادة من التعاون المصري الصيني في دعم القطاع الزراعي، مع التركيز على توطين الصناعات والتكنولوجيات المرتبطة بمستلزمات الإنتاج الزراعي، وفي مقدمتها صناعة مبيدات الآفات الزراعية وموادها الخام.
كما مثّل استقبال وزير الزراعة للوفد الصيني تأكيداً على الأهمية التي توليها الوزارة لهذا الملف، وعلى ضرورة انتقال التعاون من مرحلة النقاش وتبادل الخبرات إلى تحديد مجالات قابلة للتنفيذ تخدم احتياجات القطاع الزراعي المصري.
وانطلاقاً من توجيهات وزير الزراعة، تعمل لجنة مبيدات الآفات الزراعية على ترجمة هذا التوجه إلى مسارات تنفيذية وفنية واضحة، من خلال إدارة المباحثات المتخصصة مع الجانب الصيني وتحديد مجالات التعاون ذات الأولوية، وفي مقدمتها توطين صناعة مبيدات الآفات الزراعية والمواد الخام الفعالة المستخدمة في إنتاجها داخل مصر.
إن الربط بين التوجهات الرئاسية وتفاصيل المباحثات الفنية مع وفد “أيكاما” يعكس أن الشراكة بين القاهرة وبكين تملك فرصاً حقيقية للانتقال من الإطار السياسي إلى مشروعات تعاون فني وصناعي ذات قيمة مضافة مباشرة للاقتصاد والقطاع الزراعي.
وقد تجلّى هذا التوجه في بحث خطوات عملية لتوطين التكنولوجيا الحديثة وبناء قاعدة صناعية متطورة لتصنيع المواد الخام المستخدمة في صناعة مبيدات الآفات الزراعية في مصر.
ومن شأن التوسع في التصنيع المحلي لهذه المدخلات أن يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعميق الصناعة الوطنية، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري، إلى جانب دعم قدرة السوق المحلية على توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي بكفاءة واستدامة أكبر.
وإلى جانب التصنيع، امتدت مساحات التعاون لتشمل الاستفادة من التجربة الصينية المتقدمة في مجال المبيدات الحيوية، باعتبارها أحد الاتجاهات التي تحظى بأهمية متزايدة عالمياً مع التوسع في الحلول الأكثر استدامة لإدارة ومكافحة الآفات الزراعية.
وتعمل لجنة مبيدات الآفات الزراعية على دعم التوسع المنضبط في تسجيل هذه المركبات وفق الأطر العلمية والرقابية المعتمدة، بما يخدم منظومة الإنتاج الزراعي ويسهم في تعزيز سلامة وجودة المنتجات المصرية وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق المختلفة.
ولم تقتصر المباحثات على الجوانب التصنيعية والزراعية فحسب، بل امتدت إلى ملف الحوكمة والتحول الرقمي، بما يشمل تبادل الخبرات في إدارة قواعد البيانات المتقدمة وتطوير نظم التتبع والرقابة الإلكترونية.
ويكتسب هذا المحور أهمية خاصة في تطوير منظومة تسجيل وتداول المبيدات وإحكام الرقابة على المنتجات المتداولة، بما يساعد على الحد من دخول المركبات غير المطابقة للمواصفات ومواجهة ممارسات الغش وتحسين كفاءة المتابعة والرقابة.
كما احتل بناء القدرات البشرية والكوادر الفنية مساحة مهمة من المناقشات، حيث اتفق الجانبان على تبادل الخبرات وإطلاق برامج تدريبية متخصصة، ويأتي ذلك باعتبار تأهيل الكوادر الفنية أحد العناصر الرئيسية لضمان الاستفادة المستدامة من نقل التكنولوجيا والخبرات.
وتتضمن مسارات التعاون المقترحة إيفاد كوادر فنية مصرية إلى الصين خلال عام 2027 للاطلاع على أنظمة الرقابة والتسجيل والتطبيقات الفنية الحديثة، والاستفادة منها في تطوير منظومة العمل داخل مصر، وهو ما يتيح نقل المعرفة الفنية وتكييف التجارب الناجحة بما يتناسب مع احتياجات المنظومة المصرية.
ما يجري في هذا الملف يقدم نموذجاً لكيفية تحويل الشراكة المصرية الصينية إلى تعاون متخصص يخدم أهدافاً وطنية محددة، تبدأ من نقل التكنولوجيا ولا تنتهي عند توطين الصناعة وتطوير منظومة الرقابة والتسجيل وبناء القدرات البشرية.
وتتحرك وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بتوجيهات السيد / علاء فاروق وزير الزراعة، نحو تعظيم الاستفادة من فرص التعاون مع الجانب الصيني في هذه الملفات، فيما تتولى لجنة مبيدات الآفات الزراعية برئاسة الأستاذة الدكتورة هالة أبو يوسف الجانب الفني والتنفيذي المتخصص، بما يربط التوجه العام للدولة ببرامج تعاون عملية يمكن أن تسهم في دعم الصناعة الوطنية وتطوير القطاع الزراعي وتعزيز قدرته التنافسية.





