تقاريرزراعة

بعد 74 عامًا من عيد الفلاح.. ماذا تغير للمزارع المصري؟

10.5 مليون فدان منزرعة و9.5 مليون طن صادرات و4.4 مليون «كارت فلاح».. أرقام الزراعة تتغير والسؤال: ماذا عاد على المزارع؟

في التاسع من سبتمبر من كل عام تحتفل مصر بعيد الفلاح، في ذكرى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952، لكن عيد الفلاح الـ74 يأتي وسط مشهد زراعي مختلف بدرجة كبيرة عما كان عليه قبل عشر سنوات، سواء من حيث مساحة الأرض المنزرعة، أو حجم الصادرات، أو انتشار الخدمات الرقمية والزراعة التعاقدية والأصناف الجديدة.

وتكشف بيانات وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن وصول المساحة المنزرعة خلال 2025–2026 إلى أكثر من 10.5 مليون فدان، وارتفاع المساحة المحصولية إلى 17.5 مليون فدان، بالتوازي مع تسجيل الصادرات الزراعية نحو 9.5 مليون طن ووصول المنتجات المصرية إلى 170 سوقًا دولية.

كما جرى توزيع نحو 4.4 مليون «كارت فلاح ذكي»، واستنباط وتسجيل 158 صنفًا جديدًا من المحاصيل والخضر، والتوسع في الممارسات المرشدة لاستخدام المياه على أكثر من 2.4 مليون فدان.

أرقام ضخمة تعكس حجم التحول الذي شهده القطاع، لكنها تفتح في الوقت نفسه السؤال الأهم بالنسبة للمزارع نفسه: هل انعكس نمو الإنتاج والصادرات والتوسع الزراعي على ربحية الفدان ودخل المنتج؟

10.5 مليون فدان منزرعة

بحسب حصاد وزارة الزراعة للفترة 2025–2026، تجاوز إجمالي المساحة المنزرعة 10.5 مليون فدان، فيما بلغت المساحة المحصولية نحو 17.5 مليون فدان.

وتعكس الفجوة بين الرقمين كثافة استخدام الأرض الزراعية وزراعة بعض المساحات بأكثر من محصول خلال العام.

وبلغت المساحة المزروعة بالقمح وحده أكثر من 3.7 مليون فدان، في وقت تستهدف فيه الدولة زيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

لكن التوسع لم يعد قائمًا على زيادة المساحة فقط، إذ اتجهت السياسة الزراعية أيضًا إلى زيادة الإنتاجية من وحدة الأرض والمياه.

وسجلت المساحات المزروعة باستخدام ممارسات مرشدة للمياه نحو 2.407 مليون فدان، إلى جانب استخدام الميكنة الحديثة في نحو 360 ألف فدان.

كما أعدت وزارة الزراعة خرائط لتحسين خصوبة الأراضي القديمة في 16 محافظة، وانتهت من أعمال حصر وتصنيف التربة لمساحة بلغت 8.8 مليون فدان.

من 3.5 إلى 9.5 مليون طن صادرات

وتعد الصادرات واحدة من أوضح صور التغير الذي حدث خلال العقد الأخير.

ففي عام 2015 بلغت صادرات الحاصلات الزراعية المصرية نحو 3.5 مليون طن بقيمة تقترب من 2.1 مليار دولار.

وبحلول 2023 تخطت الصادرات الزراعية الطازجة حاجز 7.4 مليون طن.

أما أحدث بيانات وزارة الزراعة، فتشير إلى وصول الصادرات الزراعية إلى مستوى قياسي بلغ نحو 9.5 مليون طن، مع وصول المنتجات المصرية إلى نحو 170 سوقًا دولية.

وبذلك تكون كميات الصادرات قد زادت بنحو 6 ملايين طن مقارنة بمستويات 2015، أي بنحو 171% خلال عشر سنوات تقريبًا.

لكن التطور لم يقتصر على الكميات.

وتشير بيانات الوزارة إلى تكويد 7244 كيانًا تصديريًا بمساحة تراكمية بلغت نحو 278 ألف فدان مرتبطة بـ11 محصولًا استراتيجيًا، وهو ما يعكس توسع منظومة التتبع والرقابة على المزارع الموجهة للتصدير.

كما ساهمت جهود فتح الأسواق في إضافة 60 سوقًا جديدة وفق حصاد الوزارة، ليصل إجمالي الأسواق التي تستقبل المنتجات الزراعية المصرية إلى 170 سوقًا.

وهنا يصبح السؤال بالنسبة لأجري توداي: بعد هذه الطفرة التصديرية، ما نصيب المزارع من القيمة التي تحققها سلسلة التصدير؟

2500 جنيه لأردب القمح

أحد التحولات المهمة أيضًا يتمثل في محاولة حسم جزء من مخاطرة التسويق قبل بدء الزراعة.

وخلال موسم 2025–2026 أعلنت الدولة سعر توريد القمح مبكرًا قبل الزراعة، عند 2500 جنيه للأردب، بالتوازي مع زيادة نقاط ومراكز التجميع والاستلام بالقرب من مناطق الإنتاج لتقليل تكلفة النقل على المزارعين.

ويمثل الإعلان المبكر عن السعر تحولًا مهمًا لأن قرار المزارع يبدأ قبل الحصاد بعدة أشهر، بينما يتحمل منذ اليوم الأول تكاليف تجهيز الأرض والتقاوي والأسمدة والعمالة والري والمبيدات.

وكلما عرف المزارع السعر أو آلية التسعير قبل الزراعة، أصبح بإمكانه حساب جدوى المحصول بدرجة أكبر.

الزراعة التعاقدية.. المشتري قبل المحصول

واتسع تطبيق الزراعة التعاقدية ليشمل محاصيل استراتيجية وزيتية من بينها الذرة وعباد الشمس وفول الصويا والقطن.

الفكرة هنا بسيطة لكنها شديدة الأهمية اقتصاديًا: ألا يزرع الفلاح محصوله ثم يبدأ عند الحصاد رحلة البحث عن مشترٍ.

فالزراعة التعاقدية تتيح معرفة جهة الاستلام وشروط التسويق والسعر أو آلية تحديده قبل بداية الموسم، بما يقلل جزءًا من مخاطر تقلب الأسعار.

وقد تكون زيادة نطاق هذه المنظومة واحدة من أهم الأدوات القادرة على تغيير علاقة المزارع بالسوق خلال السنوات المقبلة.

4.4 مليون كارت فلاح

الرقمنة بدورها أصبحت جزءًا أساسيًا من علاقة المزارع بالدولة.

ووفق وزارة الزراعة، تم توزيع نحو 4.4 مليون كارت فلاح ذكي، إلى جانب تزويد 5825 جمعية زراعية بوحدات نقاط البيع الإلكترونية POS.

ويستهدف النظام حوكمة صرف مستلزمات الإنتاج، وفي مقدمتها الأسمدة المدعمة، والتأكد من وصولها إلى الحائز الفعلي وفق المساحات المسجلة.

لكن نجاح الرقمنة بالنسبة للفلاح لا يتوقف عند إصدار الكارت.

فالمؤشر الحقيقي هو: هل حصل المزارع على احتياجاته في الوقت المطلوب وبالكمية المناسبة للمحصول؟

فالسماد، على سبيل المثال، ليس سلعة يمكن تأجيل استخدامها عدة أسابيع دون تأثير محتمل على النبات.

158 صنفًا جديدًا

أحد أكثر أرقام حصاد وزارة الزراعة أهمية يتعلق بالبحث العلمي.

فقد نجح مركز البحوث الزراعية في استنباط وتسجيل 158 صنفًا جديدًا خلال 2025–2026، من بينها 77 صنفًا للمحاصيل الاستراتيجية و81 صنفًا لمحاصيل الخضر.

وتستهدف هذه الأصناف زيادة الإنتاجية وتحمل التغيرات المناخية والجفاف وتحسين الجودة.

كما تم إنتاج نحو 61 ألف طن من التقاوي المعتمدة، مع استهداف توفير 18 ألف طن إضافية للمشروعات القومية.

بالنسبة للمزارع، قد تكون زيادة إنتاجية الفدان باستخدام صنف أفضل إحدى أكثر الوسائل فعالية لزيادة الدخل دون إضافة فدان جديد.

19 ألف حقل إرشادي

التكنولوجيا والتقاوي الجديدة لن تحقق أثرها الكامل دون وصول المعرفة إلى المزارع.

وتشير بيانات الوزارة إلى تنفيذ 13 حملة قومية وأكثر من 19 ألف حقل إرشادي و245 مدرسة حقلية وأكثر من 33 ألف ندوة إرشادية وتدريبية، إلى جانب التوسع في المنصات والتطبيقات الرقمية للإرشاد.

والتحدي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في إنتاج المعرفة الزراعية، وإنما في وصول التوصية الصحيحة إلى المزارع في الوقت الذي يحتاجها فيه داخل الحقل.

لكن فاتورة الفدان تبقى السؤال الأصعب

في مقابل هذه التحولات، يدفع المزارع قبل الحصاد فاتورة تضم التقاوي والأسمدة والمبيدات والعمالة والري والميكنة والوقود والنقل.

ولهذا قد ترتفع إنتاجية المحصول أو الصادرات على المستوى القومي بينما تظل ربحية بعض الزراعات تحت ضغط إذا ارتفعت التكلفة بصورة أسرع من سعر البيع.

وهنا يظهر مؤشر ربما يحتاج القطاع إلى قياسه بصورة أكثر انتظامًا:

صافي عائد الفدان.

ليس فقط كم طنًا أنتج الفدان، بل كم جنيهًا أنفق المزارع لإنتاجه وكم جنيهًا تبقى له بعد البيع.

السؤال الحقيقي في عيد الفلاح

تقول الأرقام إن الزراعة المصرية تغيرت

10.5 مليون فدان منزرعة.

17.5 مليون فدان مساحة محصولية.

9.5 مليون طن صادرات.

170 سوقًا دولية.

4.4 مليون كارت فلاح.

158 صنفًا جديدًا.

لكن عيد الفلاح لا ينبغي أن يتحول إلى مسابقة للأرقام فقط.

لأن الفلاح نفسه يقيس الموسم بمعادلة أقصر بكثير:

دفعت كام؟ أنتجت كام؟ بعت بكام؟ وفاض لي كام؟

وهذا ربما يكون التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة: أن تتحول الطفرة في الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا إلى زيادة مستقرة وقابلة للقياس في ربحية المزارع نفسه.

تقدم صادرات الحاصلات الزراعية واحدة من أكثر الصور وضوحًا للتغير الذي شهده القطاع الزراعي المصري خلال العقد الأخير.

فمن نحو 3.5 مليون طن في 2015، وصلت الصادرات الزراعية المصرية إلى مستوى قياسي بلغ نحو 9.5 مليون طن، بحسب أحدث حصاد لوزارة الزراعة.

وتعادل الزيادة نحو 6 ملايين طن، أو قرابة 171%، لتصبح الكميات المصدرة حاليًا نحو 2.7 مرة مستوياتها قبل عشر سنوات.

وخلال 2023 كانت الصادرات الزراعية الطازجة قد وصلت بالفعل إلى نحو 7.44 مليون طن، قبل إضافة أكثر من مليوني طن أخرى وصولًا إلى المستوى الحالي.

ولا تعكس الأرقام زيادة الكميات وحدها، إذ توسعت البنية المنظمة للتصدير أيضًا.

فقد وصل عدد الكيانات التصديرية المكودة إلى 7244 كيانًا، بمساحة تراكمية تبلغ نحو 278,018 فدانًا لـ11 محصولًا استراتيجيًا.

كما ارتفع عدد الأسواق الدولية إلى نحو 170 سوقًا.

وتكتسب منظومة التكويد أهمية خاصة، لأنها تربط المنتج المصدر بمزرعته ومصدره، وتسمح بتحسين التتبع والرقابة على الممارسات الزراعية واستخدام المبيدات والالتزام باشتراطات الدول المستوردة.

وكلما توسعت الأسواق وازدادت متطلبات المستوردين، أصبح التصدير يبدأ من داخل الحقل وليس من محطة التعبئة أو الميناء.

لكن المرحلة المقبلة تفتح سؤالًا مختلفًا.

بعد سنوات كان التحدي خلالها هو زيادة الكمية وفتح الأسواق، يصبح السؤال الآن:

كيف تزيد القيمة التي يحققها الطن المصدر؟ وكم من هذه القيمة يصل في النهاية إلى المزارع؟

فالانتقال إلى منتجات ومحاصيل ذات قيمة أكبر، وتحسين الجودة والتعبئة، وتقليل الفاقد، وربط المزارع بالمصدرين والمصانع من خلال الزراعة التعاقدية، يمكن أن يجعل نمو الصادرات أكثر تأثيرًا على اقتصاد الفدان.

وهنا تتحول قصة الصادرات من رقم في التجارة الخارجية إلى قصة ترتبط مباشرة بدخل الفلاح وقدرته على الاستمرار في الإنتاج.

زر الذهاب إلى الأعلى