تقاريرزراعة

الفدان في 2026.. لماذا أصبحت تكلفة الزراعة السؤال الأصعب أمام الفلاح؟

الدولة توسع التعاقدات وتحكم صرف المستلزمات.. والمزارع يحسب الموسم بين سعر المحصول وتكلفة السماد والعمالة والميكنة

قبل أن يضع المزارع أول بذرة في الأرض، تبدأ فاتورة الفدان، حرث وتجهيز وتقاوي وأسمدة وري ومبيدات وعمالة وميكنة ونقل، بينما لا يأتي العائد إلا بعد شهور عند الحصاد والتسويق.

لهذا لا يمكن الحكم على الموسم الزراعي بالإنتاجية وحدها، قد ينتج الفدان كمية أكبر، لكن إذا ارتفعت تكلفة إنتاج الطن بالوتيرة نفسها أو بوتيرة أسرع، فإن الزيادة لا تتحول بالضرورة إلى زيادة مماثلة في دخل المزارع.

وتكشف بيانات وزارة الزراعة بمناسبة عيد الفلاح الـ74 عن توسع واضح في أدوات دعم المنتج، من الإعلان المبكر عن أسعار بعض المحاصيل إلى الزراعة التعاقدية والرقمنة والتقاوي والرقابة على مستلزمات الإنتاج، لكن اختبار هذه السياسات يظل في النهاية داخل حسابات الفدان.

2500 جنيه للقمح قبل الزراعة

خلال موسم 2025–2026 تم الإعلان مبكرًا عن سعر توريد القمح عند 2500 جنيه للأردب، بالتزامن مع التوسع في مراكز التجميع ونقاط الاستلام بالقرب من مناطق الإنتاج.

أهمية الإعلان المبكر ليست في السعر وحده.

المزارع يحتاج قبل اتخاذ قرار الزراعة إلى معرفة العائد المتوقع، حتى يستطيع مقارنة القمح بمحصول آخر وحساب تكلفة الفدان ومخاطر السوق.

كلما جاء السعر بعد الزراعة أو قبل الحصاد بقليل، يكون جانب كبير من القرار الاقتصادي قد اتخذ بالفعل.

الزراعة التعاقدية تقلل مخاطرة التسويق

واتجهت الدولة إلى التوسع في الزراعة التعاقدية لمحاصيل من بينها الذرة وعباد الشمس وفول الصويا والقطن.

الهدف هو تثبيت قواعد التسويق قبل الزراعة وتوفير جهة تستلم المحصول، بدل أن يصبح المزارع تحت ضغط السعر وقت الحصاد.

ولو توسعت المنظومة بصورة كافية، فإن أهم أثر لها قد يكون انتقال المزارع تدريجيًا من سؤال:

«هبيع المحصول لمين؟»

إلى:

«هل السعر والعائد المتفق عليهما قبل الزراعة يبرران التكلفة؟»

وهو تحول مهم في طريقة إدارة المزرعة اقتصاديًا.

4.4 مليون كارت لضبط منظومة الدعم

وبحسب وزارة الزراعة، تم توزيع 4.4 مليون كارت فلاح ذكي، كما جرى تجهيز 5825 جمعية زراعية بوحدات POS.

وتستهدف المنظومة توجيه مستلزمات الإنتاج المدعمة إلى الحيازات المسجلة وإحكام الرقابة على سلسلة التوزيع.

كما كثفت الوزارة الحملات المشتركة على محال وشون بيع المبيدات ومستلزمات الإنتاج لمواجهة المنتجات المغشوشة وغير المسجلة.

لكن بالنسبة للمزارع، تظل جودة منظومة المستلزمات مرتبطة بثلاثة عناصر معًا:

السعر – الكمية – التوقيت.

فتوافر السماد بعد انتهاء الفترة المناسبة لا يعادل توافره في الوقت الذي يحتاج إليه النبات.

الميكنة الحديثة على 360 ألف فدان

وتشير وزارة الزراعة إلى استخدام الميكنة الحديثة على نحو 360 ألف فدان ضمن جهود تطوير الممارسات الزراعية.

ويمثل توسيع الوصول إلى الميكنة أحد المسارات الممكنة لمواجهة ارتفاع تكلفة العمالة وتحسين دقة العمليات الزراعية وتقليل الفاقد.

لكن بالنسبة للحيازات الصغيرة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط عدد الآلات الموجودة، وإنما قدرة المزارع على الوصول إليها في الموعد المطلوب وبتكلفة مناسبة.

فليس اقتصاديًا أن يمتلك كل مزارع صغير جرارًا أو حصادة، بينما قد يكون الأكثر كفاءة هو توفير «الميكنة كخدمة» بصورة منظمة وسهلة الحجز والوصول.

158 صنفًا قد تغير حساب الإنتاجية

نجاح مركز البحوث الزراعية في استنباط وتسجيل 158 صنفًا جديدًا، بينها 77 صنفًا للمحاصيل الاستراتيجية و81 صنفًا للخضر، يضيف عنصرًا آخر لمعادلة ربحية الفدان.

فرفع الإنتاجية من المساحة نفسها يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من التوسع الأفقي وحده.

كما أنتجت منظومة التقاوي نحو 61 ألف طن من التقاوي المعتمدة.

لكن الاستفادة الاقتصادية تتحقق فقط عندما يصل الصنف المناسب للمزارع، وتتوفر معه حزمة التوصيات والأسمدة والري ومكافحة الأمراض التي تسمح له بإظهار كامل قدرته الإنتاجية.

من «إنتاجية الفدان» إلى «ربحية الفدان»

سنوات طويلة من السياسة الزراعية جعلت إنتاجية الفدان مؤشرًا أساسيًا للنجاح.

لكنه لا يكفي وحده.

الأقرب إلى اقتصاد المزارع أن نعرف:

كم تكلفة الفدان؟

كم أنتج؟

كم بلغ فاقد الحصاد والتسويق؟

بأي سعر بيع المحصول؟

وكم استغرق الحصول على ثمنه؟

ثم أخيرًا:

كم تبقى للمزارع؟

إذا أصبح «صافي عائد الفدان» مؤشرًا ينشر بانتظام للمحاصيل الرئيسية، ستكون لدى المزارع وصانع القرار صورة أكثر دقة عن المحاصيل التي تحقق عائدًا وتلك التي تحتاج إلى تدخل.

وفي عيد الفلاح، ربما يكون هذا هو الفارق بين الاحتفال بزيادة الإنتاج وبين معرفة ما إذا كان المنتج نفسه أصبح أفضل حالًا اقتصاديًا.

زر الذهاب إلى الأعلى