زراعة

نقيب الزراعيين: الأمن الغذائي يبدأ من زيادة دخل الفلاح.. وطفرة الـ9.5 مليون طن صادرات يجب أن تصل إلى المزرعة

أكد الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، أن مؤشرات القطاع الزراعي خلال 2025–2026 تعكس تطورًا واضحًا في قدرات الزراعة المصرية، بعد وصول المساحة المنزرعة إلى أكثر من 10.5 مليون فدان، والمساحة المحصولية إلى نحو 17.5 مليون فدان، وارتفاع الصادرات الزراعية إلى مستوى قياسي بلغ 9.5 مليون طن تصل إلى 170 سوقًا دولية.

وقال خليفة إن هذه الأرقام تؤكد أن القطاع الزراعي أصبح أكثر قدرة على دعم الأمن الغذائي وتوفير احتياجات السوق المحلية وزيادة الصادرات، إلا أن نجاح هذه الطفرة يجب أن يقاس أيضًا بمدى انعكاسها على الفلاح الذي يمثل الحلقة الأساسية في منظومة الإنتاج.

وأكد خليفة على أن الفلاح المصري سيظل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، وأن دعمه لا يمثل تكلفة على الدولة، وإنما استثمارًا في استقرار المجتمع والاقتصاد والأمن الغذائي للأجيال المقبلة.

وأضاف أن المزارع هو من يتحمل مخاطر الإنتاج منذ بداية الموسم، بدءًا من تجهيز الأرض وشراء التقاوي والأسمدة والمبيدات، مرورًا بالري والعمالة والميكنة، وحتى الحصاد والنقل والتسويق، ولذلك يجب أن يكون تحسين صافي دخله أحد المؤشرات الرئيسية لنجاح السياسات الزراعية.

وأوضح خليفة أن الوصول إلى 10.5 مليون فدان مساحة منزرعة يعكس حجم التوسع الذي شهده القطاع، إلا أن مصر تحتاج في المرحلة المقبلة إلى التركيز بصورة أكبر على زيادة إنتاجية الأرض القائمة، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية وارتفاع تكاليف استصلاح الأراضي الجديدة.

وأشار إلى أن وصول المساحات التي تطبق ممارسات مرشدة لاستخدام المياه إلى نحو 2.407 مليون فدان يعد خطوة مهمة، مشددًا على أن مستقبل الزراعة المصرية يرتبط بقدرتها على إنتاج كمية أكبر من الغذاء باستخدام كمية أقل من المياه وبأقل تكلفة ممكنة.

وأكد نقيب الزراعيين أن تسجيل الصادرات الزراعية نحو 9.5 مليون طن ووصول المنتجات المصرية إلى 170 سوقًا دولية يمثل نجاحًا مهمًا للقطاع، ويفتح فرصًا أكبر أمام المنتج الزراعي المصري.

وأضاف أن قوة التصدير لا تقاس فقط بزيادة الكميات، وإنما بقدرة المنظومة على تحقيق عائد أفضل للمزارع، مشددًا على ضرورة زيادة ارتباط صغار المنتجين بمنظومات التصدير والتصنيع والزراعة التعاقدية حتى تصل إليهم حصة أكبر من القيمة التي يحققها المحصول.

وقال خليفة إن وجود 7244 كيانًا تصديريًا مكودًا بمساحة تراكمية تقترب من 278 ألف فدان يعكس التطور الذي حدث في منظومات التتبع والرقابة، موضحًا أن الأسواق الخارجية أصبحت أكثر تشددًا في متطلبات الجودة وسلامة الغذاء ومتبقيات المبيدات.

وأكد أن الفلاح لم يعد منفصلًا عن هذه الاشتراطات، لأن جودة الصادرات المصرية تبدأ من المزرعة ومن الالتزام بالصنف المناسب والتوصيات الفنية والاستخدام الآمن للمبيدات والأسمدة.

وأشار خليفة إلى أن نجاح مركز البحوث الزراعية في استنباط وتسجيل 158 صنفًا جديدًا، منها 77 صنفًا للمحاصيل الاستراتيجية و81 صنفًا لمحاصيل الخضر، يمثل أحد أهم محاور دعم المزارع وزيادة الإنتاجية.

وأضاف أن قيمة البحث العلمي لا تتوقف عند تسجيل صنف جديد، وإنما تبدأ عندما تصل تقاويه إلى الفلاح ويتم تعريفه بطريقة زراعته واحتياجاته وقدرته على مواجهة التغيرات المناخية.

وأكد أن إنتاج نحو 61 ألف طن من التقاوي المعتمدة يمثل خطوة مهمة، مع ضرورة التوسع في نسبة تغطية التقاوي المعتمدة للمحاصيل المختلفة، لأنها أحد أسرع الطرق لرفع إنتاجية الفدان وتحسين جودة المحصول.

وقال إن التغيرات المناخية أصبحت واقعًا يتعامل معه المزارع كل موسم، سواء من خلال موجات الحرارة أو البرودة أو تغير مواعيد سقوط الأمطار وانتشار بعض الآفات، وهو ما يجعل الأصناف الأكثر تحملًا للظروف المناخية ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار فني.

وشدد نقيب الزراعيين على أهمية الدور الذي يقوم به المهندس الزراعي والإرشاد الزراعي في نقل التكنولوجيا والبحث العلمي إلى الحقل، مشيرًا إلى أن تنفيذ أكثر من 19 ألف حقل إرشادي و245 مدرسة حقلية وأكثر من 33 ألف ندوة وتدريب يمثل جهدًا مهمًا يحتاج إلى الاستمرار والتوسع.

وقال خليفة إن الفلاح يحتاج إلى المعلومة في التوقيت الصحيح بقدر احتياجه إلى مستلزمات الإنتاج، لأن القرار الزراعي الخاطئ قد يكلفه جزءًا كبيرًا من المحصول.

وأضاف أن تطوير الإرشاد الزراعي يجب أن يجمع بين وجود المهندس الزراعي على الأرض واستخدام التطبيقات الرقمية والإنذار المبكر والتوصيات المرتبطة بالطقس والآفات، بما يسمح بسرعة وصول المعلومة إلى المزارع.

وأكد أن إعادة تمكين المهندس الزراعي داخل منظومة الإنتاج تمثل استثمارًا في الفلاح نفسه، لأن دوره لا يقتصر على تقديم النصيحة، بل يمتد إلى ترشيد استخدام الأسمدة والمبيدات والمياه وتقليل تكلفة الإنتاج وتحسين جودة المحصول.

وفي ملف تسويق المحاصيل، قال خليفة إن الإعلان عن سعر توريد القمح عند 2500 جنيه للأردب قبل الزراعة يمثل خطوة إيجابية، لأن المزارع يحتاج إلى معرفة العائد المتوقع قبل أن يتحمل تكاليف الموسم.

وأكد ضرورة التوسع في الإعلان المبكر عن الأسعار الاسترشادية والضمانية للمحاصيل الاستراتيجية، وربطها بتطور تكاليف الإنتاج، بحيث يكون لدى الفلاح قدر أكبر من الأمان عند اتخاذ قرار الزراعة.

وأوضح أن إحدى المشكلات التي تواجه المزارع هي أن جانبًا كبيرًا من التكلفة يتم دفعه في بداية الموسم، بينما يظل سعر المحصول النهائي معرضًا لتغيرات السوق حتى موعد الحصاد.

وقال خليفة إن الزراعة التعاقدية تمثل أحد أهم الحلول لهذه المشكلة، لأنها تضمن وجود مشترٍ للمحصول وتضع قواعد واضحة للتسويق قبل الزراعة.

وأضاف أن التوسع في تطبيقها على الذرة وعباد الشمس وفول الصويا والقطن وغيرها من المحاصيل يساهم في حماية المزارع، وفي الوقت نفسه يساعد الدولة على توجيه التركيب المحصولي نحو المنتجات التي يحتاجها السوق وتخفيض فاتورة الاستيراد.

وأكد خليفة أن توزيع 4.4 مليون كارت فلاح ذكي وتجهيز 5825 جمعية زراعية بنقاط بيع إلكترونية يمثلان تحولًا مهمًا نحو حوكمة منظومة الدعم ومستلزمات الإنتاج.

وأوضح أن الرقمنة تساعد في ضبط الحيازات والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه، إلا أن نجاحها من وجهة نظر المزارع يجب أن يظهر في سهولة الخدمة وعدم وجود اختناقات والحصول على احتياجات الأرض في توقيتها المناسب.

وشدد على أن الأسمدة تمثل عنصرًا رئيسيًا في تكلفة الإنتاج، وأي اضطراب في توقيت الصرف قد يضطر الفلاح إلى شراء كميات من السوق الحر بأسعار أعلى، وهو ما يضغط على هامش الربح في نهاية الموسم.

وأكد ضرورة استمرار الرقابة على أسواق المبيدات ومستلزمات الإنتاج، خاصة في مواجهة المنتجات المغشوشة أو غير المسجلة، لأنها لا تمثل خسارة مالية للمزارع فقط، وإنما قد تؤدي إلى خسارة المحصول أو رفضه في الأسواق التصديرية.

وقال خليفة إن تحقيق مصر اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 100% من الألبان وبيض المائدة، ونحو 98% من اللحوم البيضاء، يعكس قوة قطاعات الإنتاج الزراعي والحيواني والداجني وقدرتها على توفير جانب كبير من احتياجات السوق المحلية.

وأضاف أن وصول إنتاج الألبان الطازجة إلى نحو 7 ملايين طن وتجاوز استثمارات صناعة الدواجن 200 مليار جنيه يؤكد أن القطاع الزراعي أصبح منظومة اقتصادية واسعة توفر الإنتاج وفرص العمل والاستثمار.

وأكد أن التحديات الدولية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن الدولة التي تمتلك قطاعًا زراعيًا قويًا تكون أكثر قدرة على مواجهة أزمات الغذاء واضطراب سلاسل الإمداد.

وشدد نقيب الزراعيين على أن الأمن الغذائي يبدأ من استدامة قدرة الفلاح على الاستمرار في الإنتاج، لأن المزارع إذا لم يحقق عائدًا اقتصاديًا مناسبًا سيصبح من الصعب مطالبته بالاستثمار في أرضه أو استخدام تقنيات وتقاوي أفضل.

وقال خليفة إن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على معادلة متكاملة تضم توفير مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب، وتحسين الإرشاد، وزيادة استخدام التقاوي المعتمدة، والتوسع في الزراعة التعاقدية، وتطوير الميكنة، والإعلان المبكر عن أسعار المحاصيل.

وأكد أن الأرقام الكبيرة التي حققتها الزراعة المصرية تمثل قاعدة قوية للبناء عليها، لكن الإنجاز الأكبر سيكون عندما يشعر المزارع بأن زيادة الإنتاج والصادرات وتطوير التكنولوجيا انعكست مباشرة على دخله واستقرار أسرته وقدرته على الاستمرار في الأرض.

سعيد محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين ومتخصص فى مجال الزراعة والأراضي والمياه والبيئة والانتاج الحيواني والداجني وصادراتهم
زر الذهاب إلى الأعلى