بحوث ومنظماتبيزنستقاريرحوارات و مقالات

د طارق عبدالعليم يكتب: فخ المتبقيات… نحن لا نُصدّر غذاءً.. بل نختبر حدود الخداع!

باحث – المعمل المركزي للمبيدات – مركز البحوث الزراعية – مصر

​لم تعد معايير الجودة في الأسواق الدولية مجرد “أرقام” في تقارير المختبرات، بل أصبحت “ميثاق ثقة” يُقاس بالميكروجرام. ومع دخول التجارة العالمية مرحلة من التدقيق الصحي غير المسبوق تحت مظلة استراتيجية “من المزرعة إلى الشوكة” (From Farm to Fork)، لم يعد الحديث عن متبقيات المبيدات مجرد ملف فني، بل صار “قضية أمن قومي” تمس سمعة الصادرات الزراعية في مقتل.

​بصفتي خبيراً عاصر تطور هذا الملف، لم يعد الصمت مقبولاً أمام ممارسات “مريبة” بدأت تطل برأسها في بعض دوائر التصدير؛ ممارسات تحاول الالتفاف على العلم بدلاً من الانصياع له. نحن اليوم لا نواجه أزمة تقنية في خفض المتبقيات، بل نواجه “أزمة ضمير مهني” ورهاناً خاسراً على “الفهلوة الكيميائية” التي قد تعصف بتاريخنا التصديري في لحظة واحدة.

أولاً: “خداع الأجهزة”.. عندما يضل العلم طريقه

​في سباق محموم لتمرير الشحنات بأي ثمن، ظهرت على السطح “صيحات” تروج لإضافة مواد كيميائية مجهولة المصدر تحت مسمى “مكسرات المتبقيات”. ولنكن صريحين في طرحنا: ما يتم الترويج له خلف الكواليس ليس “تطهيراً” للمحصول، بل هو “عملية تجميل زائف” لجزيئات المبيد.

​إن أجهزة القياس الحديثة (LC-MS/MS) تعمل بمبدأ “البصمة الرقمية” الفريدة لكل جزيء. وما يحدث من خلال هذه الإضافات هو محاولة لتغيير البنية الجزيئية للمبيد، لإنتاج مركبات جديدة تماماً (Derivatives). والهدف الصادم هنا هو إنتاج مركب “لا تتعرف عليه” المكتبات الرقمية للأجهزة، فتخرج نتيجة التحليل “خالٍ من المتبقيات” (Non-Detected). هذا ليس نجاحاً علمياً، بل هو “تزييف كيميائي” بامتياز؛ فنحن نبتكر “سموماً ذكية” تتسلل إلى الموائد تحت غطاء تقارير معملية نظيفة ظاهرياً، بينما يظل المبيد قابعاً فوق الثمرة بوجه مستعار.

ثانياً: مقامرة بمركبات مجهولة.. دروس من الواقع

​الأخطر من عملية الخداع نفسها، هي تلك “المركبات الجديدة” التي نخلقها بأيدينا. نحن ننتج مواداً كيميائية غير مدروسة، وغير مفهومة السمية، والأثر التراكمي. ولنا في الواقع عبرة؛ فقد سُجلت حالات رفض فعلي لشحنات في أوروبا لمجرد ظهور “مركبات غير معروفة” ناتجة عن تفاعلات غير مدروسة، حتى وإن لم تكن تلك المواد مدرجة في قوائم المحظورات الأصلية.

​يجب أن ندرك حقيقة صادمة: أصبحت الشحنات تُرفض في أوروبا بمجرد رصد أي مادة “غير معروفة” (Unknown Substance)، حتى لو لم تكن لها حدود قصوى (MRLs) معلنة. فالقاعدة الأوروبية الجديدة بسيطة وصارمة: “ما لا نعرفه.. لا يدخل أسواقنا”.

ثالثاً: وهم الإفلات.. المعامل الدولية لا تنام

​إلى أولئك الذين يعتقدون أن “التحايل التقني” هو طوق النجاة، أقول لكم: أنتم تلعبون لعبة قصيرة جداً ومحكومة بالفشل. المعامل الدولية لا تعمل في جزر منعزلة؛ فالمكتبات الرقمية للأجهزة تُحدث يومياً لملاحقة “المركبات المجهولة”.

​إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد ورقة التحليل؛ إنه يعتمد على “نظم التتبع” (Traceability). الأسواق العالمية باتت تربط كل ميكروجرام متبقي بسجل العمليات الحقلية الفعلي. وأي تضارب بين ما يظهره المختبر وبين سجلات الحقل الموثقة سيُقرأ فوراً كحالة تلاعب، مما يضع الدولة بالكامل على “القائمة السوداء”.

رابعاً: العلم الحقيقي.. كيف نكسر المتبقيات بأمان؟

​بعيداً عن طرق “التحايل”، يخبرنا العلم الرصين أن هناك مسارات شرعية لتكسير المبيدات:

1. ​الأكسدة المتقدمة: استخدام تقنيات (مثل الأوزون) لتحطيم الروابط الكيميائية للمبيد تماماً وتحويله إلى مواد بسيطة غير ضارة.

2. ​المعالج الإنزيمية: وهي أرقى سبل العلم، حيث تُستخدم “مقصات حيوية” تهاجم جزيء المبيد وتحوله إلى نواتج طبيعية آمنة. هذه هي المسارات التي يجب أن نستثمر فيها، بدلاً من استثمار الجهد في الالتفاف على القوانين.

خامساً: الحل يبدأ من “الحقل” وليس من “محطة التعبئة”

​المفارقة المؤلمة أننا نملك الحل الجذري والآمن، لكننا نتجاهله بحثاً عن “الحلول السحرية”. الحل يكمن في “القدسية الثلاثية”: الجرعة الصحيحة، التوقيت الصحيح، واحترام فترة الأمان (PHI). هي العهد المكتوب بين المزارع والضمير، فالطبيعة قادرة على تكسير المبيدات ذاتياً إذا منحناها الوقت الكافي.

​الاعتماد على “تطهير” المحصول في آخر لحظة هو اعتراف صريح بالفشل في إدارة الحقل. السلامة الحقيقية تبدأ من الوعي، وتنتهي بمنتج آمن بالفطرة.

​خاتمة: الثقة تُقاس بالميكروجرام

​إما أن نكون جزءاً من منظومة عالمية تحترم العلم وتلتزم بالشفافية، أو نكون مثالاً يُستخدم للتحذير من عواقب “التحايل التقني”. التحايل ليس ذكاءً، بل هو “تأجيل للهزيمة” بفوائد باهظة الثمن.

​فلنتذكر دائماً: في عالم تُقاس فيه الثقة بالميكروجرام… لا مكان للمنتجات التي تخفي حقيقتها خلف نتائج تحليل مخادعة. القرار الآن واضح.. فماذا نحن فاعلون؟

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى