د هالة أبو يوسف تكتب: لجنة المبيدات وسلامة الغذاء وحق المستهلك وتنافسية الصادرات الزراعية

رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية- وزارة الزراعة- مصر
بمناسبة اليوم العالمي لسلامة الغذاء، الذي أطلقته منظمتا الصحة العالمية (WHO) والأغذية والزراعة (FAO) في السابع من يونيو من كل عام، يتأكد للعالم يومًا بعد يوم أن الغذاء الآمن ليس رفاهية خاضعة للاختيار، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، وركيزة لا غنى عنها للصحة العامة، والتنمية المستدامة، والتجارة العادلة.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة وتشدد الأسواق الدولية لا سيّما الاتحاد الأوروبي في تطبيق معايير الاستدامة والحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، باتت سلامة الغذاء حجر الزاوية في تحديد القدرة التنافسية للصادرات الزراعية، ومحددًا رئيسيًا لنفاذها إلى الأسواق العالمية.
سلامة الغذاء تبدأ من الحقل وليس من السوق
إذا كانت سلامة الغذاء هي الهدف الأسمى، فإنها تبدأ حتمًا من المنبع الحقيقي؛ من الحقل وليس من السوق، وإن هذه المسؤولية المشتركة تنطلق من التربة والبذور وإدارة الآفات واختيار مدخلات الإنتاج الزراعي بناءً على أسس علمية صحيحة.
وفي هذا السياق، تواجه مصر على غرار العديد من الدول الزراعية – حزمة من التحديات التي تسعى الدولة جاهدة للتعامل معها؛ ويأتي في مقدمتها الاستخدام غير المسؤول للمبيدات، وتداول مبيدات مجهولة المصدر أو غير مطابقة للمواصفات الفنية، فضلًا عن ضعف الالتزام بفترات الأمان عند الحصاد (PHI).
وتشمل التحديات أيضا مخاطر التلوث التبادلي أثناء عمليات التداول والتعبئة، وتفاوت تطبيق نظم الجودة في بعض سلاسل الإمداد. وما يزيد من تعقيد هذا المشهد هي التغيرات المناخية التي أسهمت بشكل مباشر في تغيير ديناميكية الآفات وزيادة الضغوط البيئية على الإنتاج، وهو ما يفرض تبنّي أسلوب علمي متكامل قائم على الإدارة المستدامة.
لجنة المبيدات وتحديات تداولها لحماية جودة المحاصيل وصحة المستهلك
وإزاء هذه التحديات، تقوم لجنة مبيدات الآفات الزراعية بدورها الرقابي والعلمي من خلال تطبيق منظومة وطنية صارمة لحماية المستهلك وتعزيز جودة المحاصيل.
وتتجلى هذه المنظومة في محورين رئيسيين؛ الأول هو رصد متبقيات المبيدات في الأسواق المحلية والمزارع عند الحصاد، حيث يتم سحب وفحص أكثر من خمسة آلاف عينة سنويًا من المزارع والأسواق المحلية للتأكد من مطابقتها للحدود المسموح بها لمتبقيات المبيدات لضمان وصول منتج آمن للمواطن.
والمحور الثاني هو نظام تسجيل المبيدات بأسس وإجراءات صارمة لا تقبل التهاون حفاظاً على صحة المواطن المصري وسمعة الصادرات الزراعية المصرية إلى الخارج ؛ إذ يُمنع منعًا باتًا تداول أي مبيد إلا بعد تقييم فاعليته في الحقل لمدة موسمين زراعيين متماثلين ومتتاليين.
ويعتمد هذا النظام علي تقييم شامل لخصائصه السمية والبيئية، مع مراجعة دورية مستمرة للمواد الفعالة، وحظر المبيدات شديدة الخطورة أو تلك غير المسجلة في المرجعيات الدولية الخمس المعتمدة لدى اللجنة.
لجنة المبيدات والإستخدام المسؤول لتقليل المخاطر
ولا تقتصر الجهود على الجانب الرقابي فحسب، بل تمتد لتشمل بناء القدرات البشرية وتنمية الوعي المجتمعي؛ ويمثل “برنامج تأهيل مطبقي المبيدات” أحد أهم البرامج الوطنية الرائدة لتأهيل العاملين في هذا المجال لضمان الاستخدام الفعال وتقليل المخاطر.
ويتكامل هذا مع الدور التوعوي من خلال الحملات الإرشادية الميدانية، وتوفير المواد العلمية المبسطة للمزارعين، ودعم ثقافة الاستخدام الأمثل للمبيدات، كما تحرص اللجنة على تنظيم عدد كبير الدورات التأهيلية وورش العمل المتخصصة التي تركز على الإدارة المتكاملة للآفات (IPM)، والتعريف بمخاطر المبيدات على البيئة والصحة العامة، والتشجيع على التوجه نحو البدائل الحيوية الأكثر أمانًا.
إن التوجه العالمي المعاصر لم يعد يكتفي بمجرد تقليص المخاطر، بل يطمح إلى إعادة صياغة النظم الزراعية لتكون أكثر استدامة عبر إحلال البدائل الحيوية وتقليل الاعتماد على الكيماويات، وبما يضمن التوازن الدقيق بين الإنتاجية وحماية البيئة. هذا الفكر يتسق تمامًا مع مفهوم الصحة الواحدة (One Health) الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والنظام البيئي كحلقات متشابكة في منظومة واحدة متكاملة لا تقبل التجزئة.
العلم والرقابة والمسؤولية التضامنية الطريق الآمن لتداول المبيدات
وفي الختام، يجب التأكيد على أن سلامة الغذاء ليست مجرد شعار يُرفع في المحافل المحلية والعالمية، بل هي منظومة عمل ممتدة تبدأ من البذرة وتنتهي على مائدة المستهلك، قوامها العلم والرقابة والمسؤولية التضامنية.
وإننا إذ نضع نصب أعيننا توفير غذاء آمن لكل مواطن مصري، وتهيئة مناخ زراعي قادر على المنافسة عالميًا بكل شفافية، فإننا ندرك تمامًا أن هذا البناء لا يكتمل إلا بتضافر وتعاون وثيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمزارع والمستهلك الواعي؛ لنعمل معًا يدًا بيد من أجل غذاء أكثر أمانًا، وزراعة مستدامة، وصحة أفضل للأجيال القادمة.





