د علي اسماعيل يكتب: ثورة يونيو.. الحقيقة والخيال.. كيف ولدت مصر الجديدة رغم الزيادة السكانية؟

استاذ ادارة الاراضي والمياه بمركز البحوث الزراعية.. مصر
عندما خرج ملايين المصريين في الثلاثين من يونيو عام 2013، لم يكن الهدف مجرد تغيير سياسي، وإنما استعادة الدولة الوطنية وتهيئة المناخ لبناء مستقبل جديد. وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً، أصبح من حق الأجيال الحالية والقادمة أن تتساءل: ماذا تحقق؟ وهل ما يقال عن الجمهورية الجديدة مجرد شعارات أم أن هناك واقعاً جديداً تشهد به الأرقام والإنجازات؟
إن الإجابة الحقيقية لا تبحث عن الانطباعات أو المواقف السياسية، وإنما تستند إلى الحقائق. فمصر التي يبلغ عدد سكانها اليوم أكثر من 107 ملايين نسمة ليست هي مصر التي كان عدد سكانها يقترب من 84 مليون نسمة عام 2013، ورغم تلك الزيادة الضخمة في الطلب على الغذاء والمياه والطاقة والخدمات، استطاعت الدولة أن تنفذ أكبر عملية بناء وتنمية شاملة في تاريخها الحديث.
تمثل التنمية المستدامة الإطار الحاكم لعملية بناء الدول الحديثة، إذ تقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على الموارد الطبيعية، بما يضمن تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.
ولم يعد مفهوم التنمية يقتصر على زيادة معدلات الإنتاج أو تحقيق النمو الاقتصادي فحسب، بل أصبح يرتكز على بناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، وإقامة اقتصاد قادر على الاستمرار ومواجهة التحديات والمتغيرات الإقليمية والعالمية.
وفي هذا السياق، تبرز التنمية الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة، حيث تهدف إلى الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين، وتوفير فرص العمل، وتطوير خدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق النمو المستدام.
كما تمثل التنمية الزراعية أحد أهم محاور التنمية المستدامة، نظراً لدورها الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير المواد الخام للصناعات المختلفة، وزيادة الصادرات الزراعية، وتحسين مستوى معيشة سكان الريف، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالزيادة السكانية، ومحدودية الموارد المائية، والتغيرات المناخية.
ومن هنا برزت أهمية تبني نظم الزراعة الحديثة، والتوسع الأفقي والرأسي، واستخدام التقنيات الذكية، وتحقيق الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية لضمان استدامة الإنتاج الزراعي.
وتعد التنمية الصناعية بدورها قاطرة النمو الاقتصادي، حيث تسهم في زيادة القيمة المضافة، وتوطين التكنولوجيا، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الصادرات، بما يحقق التكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة ويؤسس لاقتصاد قوي ومستدام.
ومن هذا المنطلق، جاءت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 لتشكل نقطة تحول تاريخية في مسيرة الدولة المصرية، حيث لم تقتصر أهدافها على استعادة الاستقرار السياسي فحسب، بل أرست دعائم مرحلة جديدة من التنمية الشاملة، تجسدت في تبني رؤية تنموية متكاملة تقوم على بناء الجمهورية الجديدة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة وفق رؤية مصر 2030.
فعلى مدار السنوات الماضية، اتجهت الدولة المصرية إلى تنفيذ برنامج وطني غير مسبوق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، شمل تطوير البنية الأساسية، وإنشاء المدن الجديدة، وتحديث شبكات الطرق والنقل والطاقة، والتوسع في مشروعات الإسكان، وإطلاق المبادرات الرئاسية الصحية والاجتماعية، إلى جانب تنفيذ مشروعات قومية كبرى في مجالات الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات، بما أسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات والتحديات، رغم زيادة عدد السكان بأكثر من 23 مليون نسمة، وما شهدته المنطقة والعالم من تداعيات اقتصادية وصحية وجيوسياسية متلاحقة.
وفي المجال الزراعي، شهدت مصر طفرة غير مسبوقة من خلال التوسع في استصلاح الأراضي، وتنفيذ مشروعات الدلتا الجديدة ومستقبل مصر وتوشكى، وشرق العوينات ومناطق متعددة بالوادي الجديد وتحديث نظم الري، وزيادة القدرات التخزينية للحبوب، وتعزيز دور البحث العلمي الزراعي في استنباط الأصناف عالية الإنتاجية والمتحملة للتغيرات المناخية، بما يدعم تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية المستدامة.
وفي المجال الصناعي، اتجهت الدولة نحو تعزيز التصنيع المحلي، وإنشاء المجمعات الصناعية، وتطوير البنية التحتية اللازمة لجذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، بما يدعم زيادة الإنتاج والصادرات ورفع معدلات التشغيل.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أولت الدولة اهتماماً غير مسبوق ببناء الإنسان المصري، من خلال المبادرات الرئاسية في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وإطلاق المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، التي تعد أكبر مشروع تنموي لتطوير الريف المصري وتحسين جودة الحياة لملايين المواطنين.
وهكذا، أصبحت التنمية المستدامة في مصر بعد ثورة يونيو نموذجاً متكاملاً يجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والزراعية والصناعية، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف بناء دولة عصرية حديثة، قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الموارد، بما يؤكد أن الجمهورية الجديدة ليست مجرد شعار، بل مشروع وطني شامل لصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال الحالية والقادمة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى السنوات التي أعقبت ثورة يونيو باعتبارها مرحلة تأسيسية لبناء “مصر الجديدة”، التي اعتمدت على التنمية المستدامة كخيار استراتيجي لتحقيق التنمية الشاملة، وتعزيز مكانة الدولة المصرية إقليمياً ودولياً، وترسيخدعائم الجمهورية الجديدة القائمة على العلم والإنتاج والتنمية والعدالة الاجتماعية.
الزراعة والأمن الغذائي.. معركة البقاء والتنمية
شكل الأمن الغذائي أحد أكبر التحديات التي واجهت الدولة المصرية، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية وزيادة عدد السكان. ومن هنا بدأت الدولة تنفيذ استراتيجية غير مسبوقة للتوسع الأفقي والرأسي في الزراعة.
فتم إطلاق مشروع الدلتا الجديدة، ومشروع مستقبل مصر، ومشروع المليون ونصف المليون فدان، بالإضافة إلى تنمية توشكى وسيناء، لتضيف الدولة ملايين الأفدنة الجديدة إلى الرقعة الزراعية، في أكبر عملية استصلاح للأراضي في تاريخ مصر.
وفي الوقت نفسه، شهد القطاع الزراعي طفرة كبيرة في إنتاج التقاوي واستنباط الأصناف عالية الإنتاجية والمتحملة للظروف المناخية، وتوسعت الدولة في تحديث نظم الري وتبطين الترع، بما يسهم في رفع كفاءة استخدام المياه.
كما ارتفعت السعة التخزينية للصوامع من نحو 1.2 مليون طن إلى أكثر من 5.5 مليون طن، وهو ما ساهم في تقليل الفاقد والحفاظ على الأمن الغذائي.
وشهدت الصادرات الزراعية المصرية طفرة كبيرة، حيث تجاوزت حاجز 10 ملايين طن، وأصبحت مصر من أكبر الدول المصدرة للموالح والبطاطس والعنب والفراولة والعديد من الحاصلات الزراعية، لتتحول الزراعة المصرية من قطاع يواجه تحديات ضخمة إلى أحد أهم مصادر دعم الاقتصاد الوطني.
الصحة.. الإنسان أولاً
كان المواطن المصري على موعد مع ثورة حقيقية في القطاع الصحي، حيث وضعت الدولة الإنسان في قلب عملية التنمية.
وجاءت مبادرة “100 مليون صحة” لتصبح نموذجاً عالمياً بعد نجاح مصر في القضاء على فيروس “سي”، من خلال فحص عشرات الملايين من المواطنين وتوفير العلاج بالمجان، وهو الإنجاز الذي أشادت به منظمة الصحة العالمية.
كما أطلقت الدولة العديد من المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض، وعلاج ضعف السمع لدى الأطفال، ودعم صحة المرأة، والقضاء على قوائم الانتظار، فضلاً عن التوسع في إنشاء المستشفيات وتطوير الوحدات الصحية.
وتعد منظومة التأمين الصحي الشامل أحد أهم المشروعات القومية التي تستهدف توفير رعاية صحية متكاملة لجميع المصريين، بما يعكس التحول من مفهوم العلاج إلى مفهوم الوقاية والرعاية الصحية المستدامة.
الكهرباء والطاقة.. من الانقطاع إلى الفائض
قبل سنوات قليلة، كانت أزمة انقطاع الكهرباء تمثل عبئاً يومياً على المواطنين، لكن الدولة نجحت في تنفيذ واحدة من أكبر خطط تطوير قطاع الطاقة.
فارتفعت قدرات إنتاج الكهرباء إلى أكثر من 60 ألف ميجاوات، وتم إنشاء محطات عملاقة، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، الأمر الذي حول مصر من دولة تعاني نقص الطاقة إلى دولة تمتلك فائضاً يسمح بالتوسع الصناعي وجذب الاستثمارات.
كما ساهم اكتشاف حقل “ظهر” العملاق في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
الإسكان والقضاء على العشوائيات
شهد قطاع الإسكان طفرة غير مسبوقة، حيث تم تنفيذ أكثر من مليون ونصف المليون وحدة سكنية ضمن مشروعات الإسكان الاجتماعي وسكن مصر ودار مصر وجنة.
كما نجحت الدولة في القضاء على المناطق العشوائية الخطرة، ونقل آلاف الأسر إلى مجتمعات حضارية جديدة، مثل الأسمرات وبشاير الخير وروضة السيدة والمحروسة، ليصبح السكن الملائم حقاً أساسياً للمواطن.
الطرق والنقل.. شرايين التنمية الجديدة
أدركت الدولة أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون بنية أساسية قوية، لذلك تم تنفيذ أكبر شبكة للطرق والكباري في تاريخ مصر، بطول آلاف الكيلومترات، وإنشاء مئات الكباري والأنفاق.
كما شهد قطاع النقل طفرة غير مسبوقة، من خلال تطوير السكك الحديدية ومترو الأنفاق، وإنشاء القطار الكهربائي الخفيف والمونوريل والقطار الكهربائي السريع، بما يواكب متطلبات الجمهورية الجديدة.
المدن الجديدة.. إعادة رسم الخريطة العمرانية
لم تعد التنمية تتركز في الوادي والدلتا فقط، بل امتدت إلى إنشاء عشرات المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة والجلالة.
وتهدف هذه المدن إلى استيعاب الزيادة السكانية، وخلق مجتمعات عمرانية حديثة، وتوفير فرص العمل وتحقيق التنمية المتوازنة.
حياة كريمة.. أكبر مشروع تنموي في العالم
جاءت المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” لتجسد فلسفة التنمية الشاملة، حيث استهدفت تطوير آلاف القرى المصرية وتحسين مستوى معيشة نحو 60 مليون مواطن.
وشملت المبادرة تطوير شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، وإنشاء المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب والخدمات الحكومية، لتنتقل التنمية إلى الريف المصري الذي ظل لعقود طويلة بحاجة إلى مثل هذه المشروعات.
الصناعة والطاقة وقناة السويس
شهدت مصر توسعاً كبيراً في إنشاء المناطق الصناعية والمجمعات الإنتاجية، مع تشجيع توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي.
كما تم تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصبح مركزاً عالمياً للصناعة والخدمات اللوجستية، إلى جانب تطوير المجرى الملاحي لقناة السويس، بما يعزز مكانة مصر في حركة التجارة العالمية.
الحقيقة والخيال
قد تختلف الرؤى السياسية، وقد تتعدد وجهات النظر، لكن الحقائق لا تعرف الجدل. فالإنجازات لا تقاس بالشعارات، وإنما بما تحقق على أرض الواقع.
لقد واجهت الدولة المصرية تحديات غير مسبوقة، بداية من الإرهاب، مروراً بجائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية العالمية، وصولاً إلى التوترات الإقليمية، ورغم ذلك استمرت عجلة البناء والتنمية.
ومن هنا، فإن الحديث عن ثورة يونيو لا يقتصر على حدث سياسي، وإنما يرتبط بمسيرة بناء دولة حديثة، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من مرحلة التحديات إلى مرحلة الجمهورية الجديدة.
إن مصر اليوم ليست هي مصر الأمس، ليس فقط لأن عدد سكانها تجاوز 107 ملايين نسمة، وإنما لأنها أصبحت تمتلك بنية أساسية قوية، واقتصاداً أكثر تنوعاً، ومشروعات قومية عملاقة، ورؤية تنموية تستهدف بناء الإنسان وتحقيق مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وهكذا، تبقى الحقيقة أقوى من الخيال، وتظل الإنجازات التي تحققت شاهداً على مرحلة فارقة من تاريخ الوطن، عنوانها: «مصر الجديدة».



