حوارات و مقالات

د. مصطفى عمارة يكتب: الذهب الأبيض نسيج الحضارة وشريان التنمية من حقول العالم إلى عرش القطن المصري

القطن ليس مجرد نبات زراعي أو ألياف نسيجية تُصنع منها ملابسنا؛ فالقطن في جوهره هو ثقافة، وأسلوب حياة، وتقليد ضارب بجذوره في عمق الحضارة الإنسانية. يلامس القطن تفاصيل حياتنا اليومية باعتباره أكثر الأقمشة شيوعاً وراحة، لكنه في الوقت ذاته يمثل شريان الحياة لشبكة واسعة من البشر. إنه المصدر الرئيسي لعيش الملايين من أصحاب الحيازات الصغيرة والعمال البسطاء، وبخاصة النساء وأسرهن في مختلف أرجاء العالم النامي. ومع المساهمة الاقتصادية الكبيرة التي يقدمها للدول النامية، بات القطن يُشكّل بمثابة “شبكة أمان مجتمعية واقتصادية” تعزز الاستقرار وتحارب الفقر.

قصة المبادرة: كيف تحول القطن إلى احتفالية أممية؟

تعود فكرة اليوم العالمي للقطن إلى عام 2019، عندما تقدمت أربع دول أفريقية نامية تقع في قلب القارة السمراء وتُعرف باسم “مجموعة البلدان الأربعة المنتجة للقطن” (Cotton-4: بنين، بوركينا فاسو، تشاد، ومالي) باقتراح رسمي إلى منظمة التجارة العالمية (WTO). استهدف الاقتراح تخصيص يوم عالمي للقطن يُحتفل به في السابع من أكتوبر من كل عام.
وكان الغرض الرئيسي من هذه المبادرة إتاحة منصة دولية لتبادل المعارف، وعرض الأنشطة المتعلقة بسلاسل القيمة، ولفت أنظار العالم نحو مئات الملايين من البشر الذين يعتمد دخلهم اليومي على هذا المحصول. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم لإذكاء الوعي بالدور الحاسم لقطاع القطن في:
التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية.
التخفيف من حدة الفقر وإتاحة فرص العمل اللائقة والمنتجة للجميع.
الترويج للنمو الاقتصادي الشامل والمستدام دون ترك أي أحد متخلفاً عن الركب.

قمة طشقند 2026: زحف دولي نحو التمويل المناخي والشفافية

تنعقد فعاليات اليوم العالمي للقطن هذا العام في مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان، ممتدة حتى 8 أكتوبر. تتضمن الفعاليات جولة فنية وتقنية تنظمها الحكومة الأوزبكية لتسليط الضوء على التراث الثقافي والصناعي للقطن والمنسوجات. ويشارك في تنظيم واستضافة هذه اللقاءات رفيعة المستوى حشد من المنظمات والجهات الدولية الإقليمية، في مقدمتها:

اللجنة الاستشارية الدولية للقطن (ICAC).
منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
مركز التجارة الدولي (ITC).
مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD).
منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO).
أبرز ملفات النقاش في قمة طشقند:
تعزيز الشفافية والتتبع في سلاسل القيمة العالمية للقطن.
أسواق الكربون والتمويل المناخي الموجه لصغار المزارعين لمواجهة الجفاف والتقلبات الجوية.
الابتكارات التكنولوجية في استنباط التقاوي وإنتاج الأصناف عالية الجودة.
دعم التجارة المستدامة وتسهيل وصول منتجات الدول النامية للأسواق العالمية.

القطن في أرقام لغة الإحصائيات العالمية

تكشف الأرقام والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية عن الحجم الهائل لقطاع القطن وأثره التنموي:

32 مليون مزارع: إجمالي عدد المزارعين المنتجين للقطن حول العالم، وتشكل النساء حوالي نصف هذا العدد (50%)، مما يجعله محركاً رئيسياً لتمكين المرأة وتوظيف الشباب.
100 مليون أسرِة: تستفيد بشكل مباشر وغير مباشر من صناعة القطن في 80 دولة توجد عبر 5 قارات.
2.1% فقط: هي المساحة التي تشغلها زراعة القطن من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، مما يعكس كفاءته العالية في استغلال المساحات الزراعية.
27%: نسبة مساهمة القطن في تلبيات احتياجات الألياف والمنسوجات على مستوى العالم.
5 أفراد: عدد فرص العمل السنوية التي يوفرها إنتاج طن واحد فقط من القطن في المناطق الأكثر فقراً.

توزيع استخدامات القطن في الصناعات العالمية:
80% موجهة لصناعة الملابس.
15% موجهة لصناعة المفروشات المنزلية.
5% موجهة للمنتجات غير النسيجية (كالزيوت والأعلاف والمستلزمات الطبية).

اقتصادات السوق والتجارة الدولية

يُمثل القطن ركيزة في التجارة الدولية، وحصناً للنقد الأجنبي بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل لمساعدتها على سداد فواتير استيراد الغذاء:
50 مليار دولار: قيمة الإنتاج العالمي الخام للقطن.
770 مليار دولار: القيمة الإجمالية لتجارة النسيج عالمياً وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
عمالقة الإنتاج الخمسة: تحتكر خمس دول أكثر من ثلاثة أرباع (75%) الإنتاج العالمي، وهي: الصين، الهند، الولايات المتحدة الأمريكية، البرازيل، وباكستان.

عقبات على الطريق: تحديات تواجه عرش القطن
رغم الأهمية الاستراتيجية للقطن، يواجه القطاع حزمة من التحديات الجسيمة التي تهدد استدامته:

التقلبات الحادة في أسعار الأسواق العالمية وتأثير الأزمات والتباطؤ الاقتصادي والحروب.
التغيرات المناخية والآفات والأمراض التي تؤثر على إنتاجية الفدان.
قصور الاستثمارات الموجهة للتصنيع المحلي وتطوير المنتجات الثانوية بدلاً من اكتفاء بعض الدول بتصدير المادة الخام.
الممارسات والتحايل في تجارة القطن والدعم غير المتكافئ، مما يقتضي تقليص الممارسات السلبية وضمان منافسة عادلة للبلدان النامية.

 

القطن المصري: عودة “الذهب الأبيض” لعرشه العالمي

وفي غضون هذه التحولات العالمية، يبرز القطن المصري طويل التيلة كأحد أجود وأرقى الأقطان على مستوى العالم بفضل صفاته الغزلية والتكنولوجية الفريدة من طول ومتانة ونعومة وتجانس، مما يجعله الخيار الأول لكبرى بيوت الأزياء العالمية. وتتبنى الدولة المصرية خطة استراتيجية متكاملة للنهوض بالقطاع تتضمن الزراعة والتجارة والصناعة:

1. خريطة المساحة والإنتاج هذا العام:
المساحة الإجمالية المنزرعة: نحو 202 ألف فدان.
الوجه البحري: 191,716 فدان.
الوجه القبلي: 10,284 فدان.
المحافظات الرائدة في الزراعة: (كفر الشيخ، البحيرة، الشرقية، الدقهلية، الغربية، والفيوم).
الإنتاج المتوقع: من المتوقع أن يصل إنتاج مصر هذا العام إلى 1.2 مليون قنطار.

2. الأصناف المصرية الحديثة والمبتكرة:
تتميز الأصناف الحديثة بإنتاجيتها العالية، وقصر عمرها في التربة، وتوفيرها لنحو 30% من مياه الري:
أصناف الوجه القبلي: جيزة 95، وجيزة 98.
أصناف الوجه البحري: سوبر جيزة 86، وسوبر جيزة 94، وسوبر جيزة 97.
الأقطان الطويلة الممتازة: إكسترا جيزة 45، وإكسترا جيزة 93، وإكسترا جيزة 96.
المفاجأة البحثية المرتقبة: يستعد معهد بحوث القطن لإطلاق صنف جديد وهو “إكسترا جيزة 99″، والذي يتصف بأنه فائق الطول والنعومة، ومبكر النضج، وعالي المحصول.

3. المنظومة الجديدة لتسويق وتداول القطن:
أطلقت مصر منذ عام 2019 منظومة تسويق جديدة تجمع بين النظام التعاوني ونظام السوق الحر لربط المزارع بالأسواق العالمية وضمان أعلى سعر لمنتجه:
التجميع والتتبع: توزيع أكياس جوت مصنعة ومزودة بدوبارة قطنية ومعلمة بلون خاص لكل صنف.
الإدارة والفرز: إدارة مراكز التجميع عبر الشركة القابضة للغزل والنسيج، مع فرز وتحديد الرتبة والتصافي بواسطة الهيئة العامة للتحكيم واختبارات القطن ومعهد بحوث القطن.
المزادات العلنية: بيع المحصول في مزادات علنية شفافة تُحدد أسعارها بناءً على الأسعار العالمية.
التصنيع وتطوير المحالج: توجيه الأقطان لمحالج حديثة تمنع الخلط والشوائب، مع تطوير مصانع الغزل والنسيج لزيادة القيمة المضافة وتعظيم العائد بدلاً من التصدير الخام.

المستقبل لمن ينسج القيمة المضافة

ويبقى القطن أكثر من مجرد زراعة؛ إنه معادلة تنموية واجتماعية شاملة تربط بين الفلاح البسيط وأفخم دور الأزياء في العواصم العالمية. وإن الاحتفال باليوم العالمي للقطن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في استدامة هذا القطاع، وتوفير الدعم لصغار المزارعين، والتحول نحو التصنيع والقيمة المضافة، هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل اقتصادي وبيئي أكثر عدالة واستدامة للجميع.

سعيد محمد

صحفي مقيد في نقابة الصحفيين ومتخصص فى مجال الزراعة والأراضي والمياه والبيئة والانتاج الحيواني والداجني وصادراتهم
زر الذهاب إلى الأعلى