د. هالة أبو يوسف تكتب : تطور المبيدات عالميًا… من المكافحة التقليدية إلى الابتكار والاستدامة

شهد العالم خلال العقود الثمانية الماضية تحولًا جذريًا في مفهوم المبيدات الزراعية. فلم تعد المبيدات مجرد مواد كيميائية تُستخدم للقضاء على الآفات، بل أصبحت جزءً من منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الاستدامة الزراعية، وقد فرضت التغيرات المناخية، وتزايد عدد السكان، وارتفاع متطلبات سلامة الغذاء، تحديات جديدة دفعت الحكومات، والمؤسسات العلمية، والشركات العالمية، إلى إعادة صياغة فلسفة إنتاج المبيدات وتسجيلها واستخدامها.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان التركيز ينصب على فاعلية المبيد في القضاء على الآفات الزراعية، مع اهتمام محدود بالآثار البيئية أو الصحية طويلة المدى. ومع مرور الوقت، كشفت الدراسات العلمية عن المخاطر المحتملة لبعض المركبات، مما أدى إلى ظهور تشريعات أكثر صرامة، وتطوير أنظمة علمية دقيقة لتقييم المخاطر قبل السماح بتداول أي مبيد.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، دخل العالم مرحلة جديدة تعتمد على مفهوم إدارة المخاطر بدلاً من الاعتماد على تقييم الفاعلية فقط. وأصبحت عملية تسجيل المبيدات تتطلب ملفات علمية ضخمة تشمل دراسات السمية، والسلوك البيئي، وتأثير المبيد على الكائنات غير المستهدفة، ومتبقياته في الغذاء، واحتمالات تعرض الإنسان والعاملين والمستهلكين له. كما أصبحت الهيئات التنظيمية في مختلف دول العالم تراجع المبيدات بصورة دورية في ضوء أحدث الأدلة العلمية، وهو ما يضمن استمرار استخدام المنتجات التي تحقق أعلى مستويات السلامة والكفاءة.
ولم يعد الابتكار يقتصر على اكتشاف مواد فعّالة جديدة، بل امتد إلى تطوير تقنيات تحضير المبيدات، بحيث تصبح أكثر ثباتًا، وأقل استخدامًا للمذيبات، وأكثر كفاءة في الوصول إلى الهدف، وكذلك طرق التطبيق العلمية التي تركز على تقليل الكميات المستخدمة والحد من الفقد والانجراف. كما ظهرت المبيدات الحيوية المعتمدة على الكائنات الدقيقة أو المستخلصات الطبيعية، إلى جانب المحفزات الحيوية ومنظمات النمو، التي تمثل جزءًا مهمًا من برامج الإدارة المتكاملة للآفات.
وفي السنوات الأخيرة، لعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في تطوير صناعة المبيدات. فقد أصبح يُستخدم لتحليل ملايين المركبات الكيميائية والتنبؤ بخصائصها البيولوجية والبيئية، مما يقلل زمن وتكلفة اكتشاف المواد الفعّالة الجديدة. كما تُستخدم تقنيات تحليل البيانات الضخمة في التنبؤ بانتشار الآفات، وتحديد أنسب توقيتات المكافحة، بما يسهم في ترشيد استخدام المبيدات وتقليل آثارها البيئية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الاستدامة محورًا رئيسيًا للسياسات الزراعية العالمية. فقد تبنت العديد من الدول استراتيجيات تهدف إلى خفض المخاطر المرتبطة باستخدام المبيدات، وتشجيع الإدارة المتكاملة للآفات، ودعم الابتكار في تطوير بدائل أكثر أمانًا، دون الإخلال بالإنتاجية الزراعية أو الأمن الغذائي. وأصبح تقييم البصمة البيئية للمبيدات، بما في ذلك البصمة الكربونية، من الموضوعات التي تحظى باهتمام متزايد في الأوساط العلمية والتنظيمية.
وفي ظل هذه المتغيرات، برز الدور المحوري للجهات الوطنية المنظمة لتداول المبيدات، باعتبارها حلقة الوصل بين التطور العلمي واحتياجات القطاع الزراعي المحلي. ومن هذا المنطلق، تضطلع لجنة مبيدات الآفات الزراعية بمسؤولية وطنية كبيرة في ضمان أن تكون المبيدات المتداولة في السوق المحلي مستوفية لأعلى معايير الجودة والسلامة والفاعلية.
وتتبنّى اللجنة منهجًا علميًا متكاملًا في تقييم طلبات التسجيل، يستند إلى مراجعة دقيقة للبيانات العلمية، والاستفادة من مخرجات الهيئات المرجعية الدولية، مع مراعاة الظروف الزراعية والبيئية المصرية. كما تعمل اللجنة على تحديث السياسات والإجراءات بصورة مستمرة لمواكبة التطورات العالمية، بما يحقق التوازن بين حماية الصحة العامة، والحفاظ على البيئة، ودعم الإنتاج الزراعي.
ولا يقتصر دور اللجنة على تسجيل المبيدات، بل يمتد ليشمل متابعة تداولها، ومراقبة جودتها، وإصدار التوصيات الفنية لمكافحة الآفات، وتدريب مطبقي المبيدات على الاستخدام الأمثل للمبيدات، وكذلك تأهيل التجار ورفع كفاءة العاملين في هذا القطاع الحيوي. كما تحرص اللجنة على نشر ثقافة الاستخدام الرشيد للمبيدات، باعتبارها أحد أهم أدوات الحد من متبقيات المبيدات في الغذاء، وحماية المستهلك، والحفاظ على فرص الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق الدولية.
كما تولي اللجنة اهتمامًا كبيرًا بالتعاون مع المنظمات الدولية، والهيئات التنظيمية، والمراكز البحثية، للاستفادة من أحدث الخبرات والتجارب العالمية، والمشاركة في تطوير السياسات والبرامج التي تعزز سلامة استخدام المبيدات، وتدعم بناء القدرات الوطنية في مجالات تقييم المخاطر وتحليل المتبقيات وإدارة مقاومة الآفات لفعل المبيدات، وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة.
وتدرك اللجنة أن مستقبل إدارة المبيدات لن يعتمد على زيادة الاستخدام، وإنما على الاستخدام الذكي والمسؤول، لذلك تشجع استخدام المبيدات ضمن برامج الإدارة المتكاملة للآفات، والاستفادة من أدوات الزراعة الدقيقة ونظم الإنذار المبكر والرقمنة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للمبيدات ويخفض التأثيرات البيئية.
ومع استمرار تطور التشريعات الدولية، وتزايد الاهتمام بالاستدامة، ستظل الحاجة قائمة إلى التطوير المستمر للمنظومة الوطنية لإدارة المبيدات، وإلى تعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والمزارعين، لضمان أعلى مستويات الكفاءة والأمان.
إن رحلة تطور المبيدات عالميًا تُظهر أن الابتكار الحقيقي لا يكمن في إنتاج مبيدات أكثر فاعلية فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تجعل المبيد أداة تُستخدم عند الحاجة، وفق أسس علمية دقيقة، وبما يحقق التوازن بين زيادة الإنتاج الزراعي، وحماية صحة الإنسان والبيئة.
وفي هذا الإطار، تواصل لجنة مبيدات الآفات الزراعية أداء رسالتها باعتبارها ركيزة أساسية في دعم التنمية الزراعية المستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، والمحافظة على مكانة الصادرات الزراعية المصرية، من خلال تبنّي أفضل الممارسات العالمية وتطبيقها بما يتناسب مع الواقع المصري، وبما يرسخ الثقة في المنظومة الوطنية لإدارة المبيدات ويؤكد قدرتها على مواكبة المستقبل.
الدكتور هالة أبو يوسف رئيس لجنة المبيدات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة





